بعد أن توقفت مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل منذ أيار 2021، في أعقاب أربع جلسات محادثات برعاية الأمم المتحدة ووساطة أميركية من دون التوصل إلى اتفاق، يترقب لبنان عودة الوسيط الأميركي في المفاوضات أموس هوكشتاين الأسبوع المقبل اثر زيارته تل أبيب، معلناً أنه يتطلع إلى “العودة قريباً للقاء في بيروت الجميلة”.
الزيارة تأتي في إطار اعادة تحريك المفاوضات، ويقول الوفد اللبناني المفاوض ان المساحة المتنازع عليها هي 2290 كيلومترا مربعاً، وأن حدود لبنان هي خط 29 وليس 23، وهذا ما ترفضه إسرائيل، إذ قدم الوفد اللبناني خريطة تدفع باتجاه 1430 كلم2 إضافية للبنان بعد أن كانت المساحة المتنازع عليها 860 كلم2، وهي غنية بالنفط والغاز.
وتتحدث المعلومات عن أن الوسيط الأميركي سيحمل معه تصوراً جديداً يعرضه على الجانب اللبناني ويقضي باعتماد الخط 29 كأساس للتفاوض لا الترسيم، أي أن يكون تقسيم الثروة انطلاقاً من الأحواض الموجودة تحت الماء بشكل يمكن اقتسام حصة الدولتين قياساً الى حجم هذه الثروة بعيداً عن منطق الخطوط المباشرة، وفي حال وجود مناطق متداخلة سيتجنّب أي بلد من البلدين مَد أعمال الحفر الى ما يعدّ من حقوق الدولتين. وبالتالي، تصبح المعادلة على الشكل التالي: خريطة واضحة تضع “حقل قانا” كاملاً من حصة لبنان، في مقابل “حقل كاريش” كاملاً لاسرائيل.
وفي وقت استبدل رئيس الجمهورية ميشال عون ممثل الجيش اللبناني في المحادثات العميد الطيّار بسام ياسين، المعروف بمواقفه المتصلبة، انتشرت معلومات حول اقتراح يقضي باستخراج الشركات الدولية الغاز البحري من المنطقة المختلَف عليها، وهي توزع الغاز بين إسرائيل ولبنان بدلا من تقسيم المنطقة المختلَف عليها بينهما والتي يمكن أن تؤدي الى مشكلات تقنية وادارية في المستقبل، وذلك حسب الخطة التي وضعها أول وسيط أميركي فريدريك هوف إذ ينال لبنان 55% من الغاز و45% يذهب إلى إسرائيل.
وفي الانتظار، وفيما الجانب الاسرائيلي بات قاب قوسين من استخراج النفط، يتطلع اللبنانيون الى يوم تصبح فيه دولتهم دولة نفطية علّ آبار النفط تساهم في إخراجهم من آبار البؤس والفقر التي أوصلتهم اليها المنظومة الحاكمة. وتبقى الهواجس متعددة، والأسئلة كثيرة في هذا الاطار: هل يقارب الملف بمزايدات، ولبنان الرسمي ليس موحداً في موقفه لملاقاة طروحات هوكشتاين؟ هل سيوافق لبنان على طرح تقاسم الثروة النفطية بحراً ويكون تراجع عن المطالبة بالخط 29؟ ما هو الحل الأفضل بالنسبة الى لبنان للوصول الى ترسيم حدوده مع اسرائيل من دون أن يخسر حقوقه؟ وفي حال فشلت المفاوضات مرة أخرى، هل يمكن لاسرائيل البدء بالتنقيب من دون اتفاق؟.
هذه التساؤلات أجابت عنها الخبيرة في النفط والغاز في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لوري هايتايان في حديث لـ “لبنان الكبير” بالقول: “عندما أتى الوسيط الأميركي في تشرين الأول 2021 قال انه سمع من كل المسؤولين رؤية واحدة في ترسيم الحدود، وهذا ما فهمناه من الجميع”. وأشارت الى أن “الجميع بات يعلم أهمية التمسك بالخط 29، ولا يجد المسؤولون اليوم طريقة لتبرير عدم التمسك بهذا الخط، وما نراه حالياً أن الأمور تسير وكأنه غير موجود. لذلك، لا أرى خلافاً في السلطة على هذا الموضوع بل الخلاف بين من يطالب بحصة أكثر من خط 23 وبين من يكتفي بهذا الخط، في حين أن الرأي العام يتحدث عن ضرورة وضع الخط 29 على طاولة المفاوضات”.
وسألت: “كيف يُقال ان الخط 29 هو خط تفاوضي؟ ألسنا نحن في مرحلة التفاوض التي يَطرح فيها كل فريق أقصى ما يمكن تحقيقه من ربح؟”.
ورأت أن “تقسيم الثروة انطلاقاً من الأحواض الموجودة تحت الماء ليس سوى اختراع لأن أصول ترسيم الحدود البحرية معروفة. خط هوف الذي يجسّد المطلب الأقصى الذي يمكن أن تحصل عليه اسرائيل في حين أن الخط 29 هو المطلب الأقصى الذي يمكن أن يحصل عليه لبنان. بين هذين الخطين يجب أن يوضع خط التفاوض ثم يتم العمل على الثروة تحت البحر لأنه في حال اعتبروا أن منطقة الـ 860 كيلومتراً مربعاً متنازع عليها، واذا صح الحديث عن الاستعانة بشركات دولية للتنقيب وتقسيم الثروة بين لبنان واسرائيل، فهذا المسار ليس لمصلحة لبنان”.
أضافت: “اذا أرادوا معرفة ما يوجد تحت المياه، فليبدأوا من الخط 1 الاسرائيلي الى الخط 29، أي مساحة 2290 كلم2 حينها نتحدث عن تقاسم ما تحت المياه، لكن الورقة الرابحة بيد لبنان مثل خط 29 يمكن أن يهدد كاريش الذي هو حقل مكتشف ومعروف بكمية نفطه، ونحن نتركه بأمان لاسرائيل ثم نعود لنتقاسم المنطقة المتنازع عليها. انها جريمة بحق الوطن”.
واعتبرت أنه “على الوسيط الأميركي أن يوضح عن أي منطقة متنازع عليها يريد التفاوض. لذلك، من الضروري أن يعيد لبنان طرح الخط 29. والتنازل الوحيد الذي يقوم به لبنان هو عدم تقديمه مطالبة رسمية بالخط 29 إلى الأمم المتحدة، لكن عليهم اعتباره جزءاً من المنطقة المتنازع عليها”.
وأكدت أنه “ليس صحيحاً أن ينال لبنان 55% من الغاز لأن المنطقة المتنازع عليها بين الخطين 1 و29 خاطئة. المنطقة الاقتصادية الخالصة في المياه ليست حقاً مكتسباً للبنان مثل المياه الاقليمية انما منطقة يمكن التفاوض عليها وبالتالي ندخل الى التفاوض بالمطلب الأقصى للحصول على ما يمكن القبول به. هذه هي روحية التفاوض، وهنا لا نتحدث عن حق تاريخي كخط الأرض اذ ليس في المنطقة الاقتصادية الخالصة ما يسمى بالحق التاريخي”.
وشدّدت على أن “الحل الأفضل للبنان هو بتعديل المرسوم 6433، وارساله الى الأمم المتحدة، وإعلانه حقل كاريش منطقة متنازعاً عليها، ويجلس على طاولة المفاوضات من موقع قوة، ولا يتم فرض الأمور عليه كما يحصل اليوم”.
وعن مصير التفاوض، قالت هايتايان: “ربما لا نصل الى اتفاق على ترسيم الحدود ويبقى الموضوع شائكاً، وفي حال استمر لبنان بالمسار الحالي، فسيسجل تنازلاً كبيراً في ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل لأن الخط 23 لا يؤدي بنا الا الى خسارة كبيرة جداً”.
وأوضحت أن “اسرائيل يمكنها التنقيب عن النفط لأن لا أحد يقول لها ان حقل كاريش منطقة متنازع عليها، وفي الأمم المتحدة خط لبنان هو 23، وكاريش بعيد جداً عن هذا الخط، وبالتالي اسرائيل مرتاحة على وضعها”.


