تخوض روسيا والغرب حرباً نفسية حادة لا تقل أهمية عن التهديدات العسكرية، بالتزامن مع رياح الحرب التي تهب على حدود أوكرانيا، بحسب قراءة في موقع E-International Relations الإلكتروني البريطاني. وليس هناك من شك في أن الحرب النفسية هامة وحاسمة في هذا الصراع خصوصاً وأن الأسئلة المطروحة تتمحور حول هوية المسؤول عن التصعيد. فمن هو المعتدي ومن الضحية؟ وتترك الإجابات المقدمة تأثيراً كبيراً على الرأي العام وكذلك على اعتبارات متخذي القرار. كما تستخدم جميع الأطراف المعنية الذكاء والتواصل والديبلوماسية لكسب الحرب النفسية.
ومنذ بداية التوترات، سعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزراؤه باستمرار الى نفي أي نية لشن حرب ضد أوكرانيا. كما أصروا على اتهام الولايات المتحدة والغرب بإثارة الأزمة وتضخيمها وتجاهل أمن روسيا ومصالحها المشروعة من أجل تحقيق أهداف مثل تعزيز قوة الناتو وتوسيع نطاقه. ويدّعي بوتين أن الغرب هو من تسبب بالأزمة بحجة أنه يحاول ضم أوكرانيا إلى الناتو والاتحاد الأوروبي. وبدورها، تزعم الولايات المتحدة والتحالف الأطلسي أن نقاط التمركز الكبيرة لقوات روسيا على الحدود الأوكرانية من ثلاث جهات، شرقاً وشمالاً وجنوباً، تشكل الدليل الواضح على نوايا بوتين الحربية. كما تؤكد سابقة احتلال شبه جزيرة القرم ونزعها من أوكرانيا في العام 2014، إضافة إلى إنشاء جيوب شبه مستقلة موالية لروسيا في منطقة دونباس، الشكوك في أن روسيا تتهيأ لجولة جديدة من الحرب تهدف هذه المرة إلى الإطاحة بالحكومة الموالية للغرب في كييف واستبدالها.
كشف الخدعة
وتتعدد السيناريوهات التي تهدف الى كشف الخداع الروسي في هذه الحرب النفسية. حتى أن الولايات المتحدة طرحت سيناريو تقوم فيه الميليشيات الموالية لروسيا بتنظيم هجوم ضد نفسها، قبل أن تقوم بإلقاء اللوم على القوات الأوكرانية وبمطالبة روسيا بعبور الحدود ومساعدتها عسكرياً. وفي هذه الحالة، لا شك في أن الهدف من السيناريو هو فضح خداع بوتين ولعبته حتى قبل أن تبدأ.
كما تلجأ الأطراف المتصارعة في الحروب النفسية أحياناً إلى المقارنات التاريخية لتعزيز مواقفها. وتساعد المقارنات المعروفة الجمهور على فهم الوضع الحالي بشكل أفضل. ولذلك، استخدم بعض السياسيين والمعلقين مصالحة هتلر والتخلي عن تشيكوسلوفاكيا واتفاقية ميونيخ التي وقعت في العام 1938 عشية الحرب العالمية الثانية، كتذكير للغرب بمواقفه المتراخية الحالية في أزمة أوكرانيا. وكان وزير الدفاع البريطاني بن والاس أحد الذين ذكروا باتفاقية ميونيخ. وفضّل تجاهل حقيقة أن بريطانيا قد أنكرت التزاماتها تجاه تشيكوسلوفاكيا وكانت هي التي وقعت على الاتفاقية. وعلى العكس من ذلك، انتقد في الواقع سياسة ألمانيا التي اعتبرها متراخية تجاه بوتين، بسبب المصالح الاقتصادية واسعة النطاق.
بدورها، فضّلت روسيا استخدام التشبيه بأزمة الصواريخ الكوبية في تشرين الأول 1962. وكانت هذه الأخيرة من أشد أزمات الحرب الباردة والتي كادت أن تتسبب بمواجهة نووية مباشرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ووضع الأخير صواريخ نووية في كوبا على بعد حوالي 150 ميلاً من ساحل فلوريدا. وادعى الرئيس جون كينيدي حينها أنه لا يمكنه السماح بمثل هذه القواعد الصاروخية “في الفناء الخلفي” للولايات المتحدة. أما اليوم، فيدّعي بوتين أن روسيا لا تستطيع أن تسمح لأوكرانيا التي تقع في “فنائها الخلفي”، بالانضمام إلى الناتو.
وعلى الرغم من التشابه المبدئي بين الأزمتين، لا بد أيضاً من تسطير بعض الاختلافات المهمة. فالديبلوماسية التي حلت أزمة الصواريخ الكوبية كانت سرية، وانتهت الأزمة بحل وسط قام فيه الاتحاد السوفياتي بإخلاء الصواريخ في كوبا مقابل إخلاء صواريخ أميركية مماثلة من تركيا والتزام عدم الإطاحة بنظام فيديل كاسترو بالقوة في كوبا. وأعلن الرئيس جو بايدن أنه لا ينوي الدفاع عن أوكرانيا بالقوة العسكرية لأن مثل هذا الموقف قد يؤدي، على حد تعبيره، إلى حرب عالمية ثالثة.
وقد تكون الدروس المستفادة من حل أزمة الصواريخ الكوبية ذات صلة فقط في سياق حل أزمة أوكرانيا الحالية في حال تم ضبط الحرب النفسية الشديدة التي شنت في الأوساط الدببلوماسية ووسائل التواصل الاجتماعي المفتوحة. هذا إذا تم توضيح المواقف الحقيقية لجميع الأطراف وحلها خلف الكواليس في المفاوضات الديبلوماسية. أما العقبة الرئيسية التي تؤدي إلى التصعيد فتبقى المبالغات التي انتهجتها جميع الأطراف علناً في حربها النفسية وخطاباتها الشديدة اللهجة، وقد ساهم ذلك في انعدام الثقة بين البلدان. وما لم تتراجع الأطراف عنها، فمن المشكوك فيه أن تحل أزمة أوكرانيا بسهولة، حتى ولو انسحبت جميع القوات من ساحة المعركة وعادت إلى ثكناتها.


