لماذا تخشى روسيا الـ”ناتو”؟

حسناء بو حرفوش

لعل أكثر الأسئلة التي تطرح اليوم في ظل التوترات المتصاعدة بين أوكرانيا وروسيا تتمحور حول السبب وراء تمسّك هذه الأخيرة بمعاداة حلف شمال الأطلسي. فلماذا ازدادت مواقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عدوانية تجاه الولايات المتحدة والـ”ناتو” وأوكرانيا؟

حسب قراءة لبول ديب من الجامعة الوطنية الأسترالية، “يجب العودة إلى تفكّك الاتحاد السوفياتي السابق وتمسك الكرملين بالنظر إليه كإذلال كبير، ومن ثم إلى توسّع حلف الناتو، بينما يدّعي بوتين أن أوكرانيا وروسيا تمثلان شعبا واحدا. وفي المعرض الأخير، يجب التركيز على موقف بوتين في سياق العلاقات الخارجية وآماله بفرص الصداقة بلا حدود مع الصين، مع الإشارة إلى معارضة هذه الأخيرة زيادة توسّع الـ”ناتو” ودعمها مقترحات روسيا لإنشاء ضمانات أمنية طويلة الأجل وملزمة قانونا في أوروبا، لأن الوضع خطير للغاية بالنسبة للسلام في أوروبا، بل في العالم بأسره.

وإذا أراد أحدهم أن يفهم لماذا تتصرف روسيا بهذه الطريقة التي يحتمل أن تكون خطيرة للغاية؟، عليه أن يتذكر ما حدث للقوة السوفياتية العظمى عندما انهارت عام 1991 وكيف أن هذه الكارثة لا تزال تؤثر في التفكير الاستراتيجي الحالي في موسكو. بالنسبة لبوتين، الانهيار السوفياتي يذكّر بفترة ارتُكب فيها ظلم للشعب الروسي. وأدركت روسيا من منظورها أنها “لم تتعرض للسرقة فحسب، بل نُهبت عندما انتهى الأمر بشبه جزيرة القرم كجزء من دولة مختلفة”. وفي موسكو ما بين عامي 1988 و1992، لوحظ أن تفكّك الاتحاد السوفيتي نهاية العام 1991 كان لحظة انتصار للغرب، لكن بالنسبة للروس، جلب ذلك الإذلال الوطني والفوضى الداخلية والفقر المدقع وحتى المجاعة.

وصرح المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية ووزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس مؤخرا بأن كل شيء تقريبا يفعله بوتين في الداخل والخارج هذه الأيام متجذر في انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، وهو ما يمثل بالنسبة له انهيار الإمبراطورية الروسية التي استمرت أربعة قرون. وبالتالي، انهيار مكانة روسيا كقوة عظمى. وركز بوتين منذ أصبح رئيسا عام 1999، على إعادة اكتساب روسيا دورها التاريخي كقوة كبرى وسياساتها التاريخية المتمثلة في إنشاء حاجز من الدول الخاضعة على أطرافها.

وفي هذا السياق، يذكر الكاتب فلاديسلاف زوبوك، أستاذ التاريخ الدولي في كلية لندن للاقتصاد، أن سهولة انهيار الهياكل المركزية السوفياتية وسرعة انحدارها، حيّرت حتى أكثر المراقبين الغربيين خبرة. وهو يعتقد أن قيادة ميخائيل غورباتشوف وشخصيته ومعتقداته شكّلت عاملا رئيسيا في تدمير الاتحاد السوفياتي لذاته. كما ولّدت سياساته الإصلاحية المتعثرة فوضى تامة أضفت الشرعية على النزعة الانفصالية الجامحة في دول البلطيق، وفي نهاية المطاف، في قلب الأراضي السلافية في روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا. ومع اختفاء شبكة الأمان الاجتماعي السوفياتية القديمة وتفشي الجريمة والحكم الشبيه بالمافيا في معظم البلدات والمناطق، قضى الرأي بأن الفضاء الجيوسياسي ما بعد الاتحاد السوفياتي بات ضخما للغاية ولا يمكن التنبؤ به للاندماج في المدار الغربي. وتوسع الـ”ناتو” بسرعة لأن دول البلطيق المستقلة حديثا وبولندا أرادتا التحرر من التهديد العسكري الروسي. وبينما أراد بوريس يلتسين أن تنضم روسيا إلى الـ”ناتو”، اختارت الإدارة الأميركية في عهد بيل كلينتون أن تعرض على روسيا فقط “شراكة” مع الحلف لأن الرأي العام في واشنطن أجمع على أن روسيا أكبر من أن تنتمي بالكامل إلى الـ”ناتو”.

ثم تقدمت حدود الـ”ناتو”، تحت ضغط أميركي كبير، حتى أصبحت “على مسافة قريبة من روسيا وأوكرانيا”. ويتبنى بوتين بالطبع وجهة نظر مختلفة تماما عن نظرة الغرب. وهو يؤمن بأن الأميركيين تآمروا لتفكيك بلاده وتشجيع إنشاء دولة منفصلة تسمى أوكرانيا. ويواجه العالم الآن موقفا أصبح فيه العداء بين موسكو وواشنطن بشأن مستقبل الـ”ناتو” ووجود أوكرانيا المستقلة أمرا أساسيا لمستقبل السلام في أوروبا.

ويعتبر بوتين أوكرانيا بمثابة خطر أمني بالغ الأهمية بالنسبة لموسكو، ويراها كخنجر موجه إلى قلب روسيا السلافي، بينما يرى البعض أنه بالغ في تقدير موقفه تجاه أوكرانيا لأنه وجد نفسه في موقف يُعرَّف فيه النجاح الروسي على أنه إما تغيير الحكومة في كييف أو الغزو الروسي للبلاد. وسيشكّل حل هذا التهديد الخطير بشكل سلمي إحدى التحديات الهائلة لعزم التحالف الغربي ووحدته. وتبدو ألمانيا بالفعل وكأنها حلقة رئيسية ضعيفة بسبب اعتمادها على روسيا للحصول على نصف إمداداتها من الغاز الطبيعي”.

شارك المقال