يكاد لا يمر أسبوع الا ويطلق فيه البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي مواقف وطنية تشكل خارطة طريق لانقاذ البلد من الخطر المحدق به والذي يهدد وجوده وهويته. وبعد التصريحات التي أدلى بها خلال زيارته الأسبوع الماضي الى مصر حيث وصف لبنان بـ”المريض ونحن بحاجة إلى علاج مرضه، وهو عدم تطبيق اتفاق الطائف، والحل هو إعلان الحياد”، واصل البطريرك الراعي دفاعه عن الدولة وسيادتها ومؤسساتها الدستورية خلال عظة يوم الأحد أول من أمس والتي اعتبرالمراقبون أنها تتضمن رسائل عالية النبرة وفيها الكثير من الدلالات وفي أكثر من اتجاه، مصوباً على العهد والخلل في أدائه السياسي، خاصة عندما قال: “يجب أن يتم هذا الاستحقاق الدستوري وأن يعقبه انتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل شهرين من نهاية ولاية الرئيس الحالي بموجب المادة 73 من الدستور. من شأن الرئيس الجديد أن ينهض بالبلاد وينتشلها من المحاور إلى الحياد، ويضع حداً لهذا الانهيار والدمار”، إذ ربط بشكل مباشر بين إنقاذ لبنان وبين انتخاب رئيس جديد للجمهورية، متحدثاً عن الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي “انتشل مصر، وأجرى الاصلاحات الضرورية، ووحد قرار الدولة ومرجعيتها”.
ووضع البطريرك الراعي الاصبع على جرح البلد الذي تسببه السلطة الحاكمة حين سأل: “أما لليل الخروج عن الدولة والشرعية والجيش والهيمنة والباطل وتعطيل الدستور والنظام والميثاق وضرب المؤسسات وحقيقة مرض لبنان السياسي القتال أن ينجلي؟”، واصفا حالة القضاء في لبنان بـ “المحزنة والخطرة”، متسائلاً: ” أين القضاة الشرفاء؟ وأين المرجعيات القضائية لا تقوم بواجباتها الناهية حماية للجسم القضائي؟ وأين السلطة لا تردع ذاتها عن استغلال بعض القضاة ولا تردع المتطاولين على دورها؟ هل الهدف من بعض الإجراءات الصادمة خلق واقع يؤدي إلى تطيير الانتخابات النيابية في موعدها؟”.
واذا كان لا بد من قراءة لعظة البطريرك الأخيرة مع الخبراء والمواكبين لمواقف بكركي، لا بد من الاشارة أيضاً الى أن الفاتيكان أعاد تصويب بوصلة الحقيقة بعد الفبركات التي تحاك لدق إسفين بينه وبين البطريركية المارونية، كما وأحبط الأجندات السياسية والدسائس المشبوهة التي تريد إلباسه روايات ومواقف ليست موجودة الا في نفوس البعض بما يناسب مصالحهم وحساباتهم الضيقة. وما رسائل المديح والتهاني الفاتيكانية والبركة الرسولية لخطوات البطريرك الراعي خلال قداس عيد سيدة البشارة في بكركي سوى تأكيد على أن الفاتيكان والبطريركية المارونية يعملان سوياً نحو هدف واحد: إنقاذ بلد الأرز.
وأكدت مصادر روحية لموقع “لبنان الكبير” أن عظات البطريرك الراعي تأتي في زمانها ومكانها المناسبين، وتنطلق من الثوابت والمبادئ الوطنية. والبطريرك لا يعلن مواقفه من فراغ انما من معطيات ومؤشرات ووقائع بعيداً من السياسات الضيقة خاصة وأنه يلمس يوماً بعد يوم أن السلطة بدل أن تعمل ليل نهار على خطة الانقاذ لا تزال تسير بالبلد نحو الهاوية أكثر فأكثر، والبعض يطلق تصريحات تشوّه الحقائق ولا تعبّر عن آراء اللبنانيين، وكل ذلك لأهداف أصبحت مكشوفة للجميع، لكن هذا لا يجوز ومعيب. وبالمختصر، “من له أذنان فليسمع” تحذيرات البطريرك قبل فوات الأوان، بحسب المصادر.
من جهته، اعتبر المدير التنفيذي لـ “ملتقى التأثير المدني” زياد الصائغ أن عظة البطريرك الراعي “تأكيد أولاً، على الثابتة الأخلاقية لمفهوم العدالة التي خرجت عنها المنظومة الحاكمة بالكامل، والدفاع عن حقوق الشعب على كل المستويات لمواجهة استباحة العدالة، وهذه ثابتة من ثوابت البطريركية المارونية. ثانياً، التأكيد على أن ما يتعرض له الشعب جريمة بحق الانسانية. ثالثاً، المنظومة الحاكمة المؤتمنة على تطبيق الدستور وعلى الحفاظ على المؤسسات وعلى الحوكمة السليمة تنقلب على الدستور وتدمر المؤسسات وتنهي امكان الحوكمة السليمة. بهذا المعنى تهدد الهوية اللبنانية والكيان اللبناني والصيغة الميثاقية اللبنانية”.
وأشار الى أن “هناك تحذيراً من مغبة دفع لبنان الى حالة فراغ ومنع انتخاب رئيس جمهورية ضمن مهلة الاستحقاق الدستوري، وبالتالي الذهاب في اتجاه تعديل الصيغة اللبنانية. انه تحذير أولاً، من وضع لبنان في الفراغ. وثانياً، اتهام مباشر لكل المنظومة الحاكمة من رأسها الى أسفلها بأنها كانت مسؤولة عن الانهيار في لبنان وعن اغتيال الدستور والانقلاب على الشرعية”.
ولفت الى أن “هناك تغييراً واضحاً لهوية لبنان في ما يتعلق بالحريات العامة وحقوق الانسان، ونحن نواجه منظومة حوّلت البلد الى حالة بوليسية بالكامل وتدخلت في القضاء ومنعت عنه استكمال عمله الا باتجاه قمع الحريات العامة. بهذا المعنى الانقلاب على هوية لبنان هو الأساس وهناك تحذير من استمرار هذا الانقلاب خاصة في ما يعنى بالحريات العامة”.
ورأى أن “هناك شعوراً واضحاً أن الكثير من الاجراءات التي تجري بشكل واضح وعملاني إن كان على مستوى بعض التصرفات في السلطة القضائية والكثير من التصرفات في المنظومة السياسية والكثير من التصرفات في السلطة الادارية، محاولة لتفخيخ الانتخابات النيابية وتأجيلها. بهذا المعنى، من الضروري التصدي لمحاولات تفخيخ الانتخابات ووقف أي مسار لتأجيلها أو تطييرها، والتصدي لمحاولة القول ان هناك ضرورات تقنية لذلك ومنها تعطيل المرفق المصرفي أو تعطيل مرافق ادارية معينة في هذا الاتجاه”.
وتحدث عن “المواجهة التي تقوم بها المنظومة مع القضاء اللبناني: عرقلة التشكيلات القضائية وعرقلة التحقيقات في تفجير مرفأ بيروت، واطلاق العنان للاستنسابية في الملفات القضائية. كل ذلك، يؤكد أن العدالة في لبنان تتعرض للانتهاك من قبل المنظومة الحاكمة، وبهذا المعنى صوت البطريرك الماروني مرتفع جداً بضرورة الحفاظ على استقلالية القضاء ومنع التدخلات السياسية فيه”.
وقال: “الفاتيكان لديه ثوابت: أولاً، ثابتة قيام دولة المواطنة والعيش معاً والعيش الواحد. ثانياً، دولة تسودها حصرية السلاح بيد القوى العسكرية الشرعية. ثالثاَ، دولة الحياد التي لا تنخرط لا في صراعات ولا في محاور اقليمية ودولية بل دولة يسودها الحوار وبناء السلام، وهذا دور لبنان التاريخي. رابعاً، دولة تؤدي دوراً أساسياً حضارياً لا سيما وأن لبنان عضو مؤسس في الأمم المتحدة وفي جامعة الدول العربية. هذه ثوابت الكرسي الرسولي التي تتلاقى حتماً مع كل ما تقوم به البطريركية المارونية، وهذه ثوابت البطريركية منذ قيامها ونضالاتها مع شركائها من الطوائف الأخرى وخاصة المسلمين”.
وشدد الصائغ على وجوب “العودة الى عقلنة الخطاب الوطني واعادة انتاج الثقافة السياسية بمنأى عن فوائض القوة وعن التشنج واستثارة الغرائز. علينا العودة الى حالة المواطنة التي نتلاقى فيها كلنا معاً لبناء دولة الحق والدستور وليس دولة الانقلاب على الدستور ودولة اللاشرعية”.


