بعد عطلة العيد سيكون لبنان أمام استحقاق مهم، بل قد يكون أهم من الاستحقاق الرئاسي، وهو نهاية ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، التي تنتهي في أواخر الشهر المقبل. وفي ظل اختلاف كبير بين القوى السياسية وانشقاق عمودي في مجلس النواب، قد يكون البلد في خطر الفراغ في حاكمية المصرف المركزي، مع كل ما ينتج عنه من تبعات على البلد المنهار أصلاً. فبغض النظر عن أي تحفظات تجاه الحاكم، بل حتى لو ثبتت عليه تهم الفساد، الفراغ سيكون أسوأ بعشرات المرات، وهذا الأمر سيشكل تحدياً صعباً أمام الحكومة ومجلس النواب، في ظل معارضة شرسة من القوى المسيحية بأن تنجز الحكومة أي تعيينات في واقع الفراغ الرئاسي.
من المؤكد أن حاكم مصرف لبنان يتحمل جزءاً من مسؤولية ما وصل اليه البلد من انهيار، كما كل القوى السياسية، ولكن في دراسات الخبراء وجدوا أن هناك مسؤولية أكبر تقع ليس على شخص بل على حالة، أي حالة الفراغ، طبعاً هذه الحالة تتحمل مسؤوليتها القوى السياسية، ولكن الفراغ الدستوري الذي ساد منذ العام 2005، في مؤسسات الدولة، إن كان في الرئاسة الأولى، أو حتى في الحكومة، كان له دور كبير في الانهيار، الا أنه على الرغم من سنوات الفراغ، في المؤسسات السياسية لم يتعرض مصرف لبنان للفراغ من قبل، وهذا كان سبب استقرار نسبي في النقد، ما انعكس أيضاً ايجاباً على الاقتصاد، إلى أن وصلنا إلى نهاية “الترقيع” وضربت الأزمة البلد، وفلتت العملة، وبقيت تفلت حتى وصلنا إلى مرحلة استقرار نوعاً ما، ولا أحد يعرف متى ستفلت الأمور من جديد ولكن المؤكد أنها فور شغور موقع حاكم “المركزي”.
يرفض رئيس مجلس النواب نبيه بري أن يتحمل النائب الأول للحاكم وسيم منصوري المحسوب عليه، مسؤولية النقد، وليس وحده من يرفض ذلك بل حتى النائب الثاني كذلك، وهذا الأمر ليس بسبب نقص في الكفاءة عند نواب الحاكم، بل إن سر استقرار العملة حالياً، وإدارة منصة “صيرفة” لا يعرفهما أحد إلا سلامة، وبالتالي أي شخص يتسلم مهامه، سيواجه صعوبات في إدارة العمليات، ما قد يؤثر على سعر الصرف، وبالتالي، سيلام هو أو الجهة السياسية المحسوب عليها إن بدأ سعر الصرف يرتفع مجدداً. ولكن ما الحل؟ هل يجب التمديد لسلامة مجدداً أو من الممكن تعيين حاكم جديد؟
السلطة ستكون أمام استحقاق صعب جداً، وفي حين انتشرت السيناريوهات العديدة عن مرحلة ما بعد انتهاء ولاية سلامة، يبدو أن الخيار سيكون واحداً من اثنين، إما تمديد تقني لسلامة لبضعة أشهر حتى انتخاب رئيس للجمهورية، أو تعيين حاكم جديد، والسيناريوهان ما دونهما عوائق ومشكلات وتبعات، فالحاكم يتعرض للملاحقة في القضاء الفرنسي والتحقيق في القضاء الأوروبي، وبالتالي التمديد له يوصل رسائل سلبية باتجاه المجتمع الدولي. أما السيناريو الثاني، ولنفترض أنه تم التوافق على اسم، فسيكون أمام مهمة مستحيلة هي الحفاظ على استقرار العملة ومنعها من التدهور، تحديداً أن سلامة على الأرجح لن يعطي أسراره لأحد، وبالتالي قد يشهد البلد مزيداً من الانهيار في سعر الصرف قبل أن يتمكن الحاكم الجديد من التمكن من قواعد اللعبة.
عدا عن ذلك، ترفض القوى المسيحية إقرار تعيينات في ظل الفراغ الرئاسي، وتعتبر أن حكومة تصريف الأعمال لا يمكنها أن تقرها، بل وتسوّق أن التعيين سيجر التعيين، وبالتالي ستتخطى الحكومة صلاحياتها، وستثبت فكرة أن البلد يمكنه أن يستمر طبيعياً من دون رئيس جمهورية.
وأشارت أوساط اقتصادية لموقع “لبنان الكبير” الى أن السلطة في حال قررت تغيير الحاكم، من الأفضل أن تقوم بهذه الخطوة خلال الموسم السياحي، لأن العملة الصعبة تدخل البلد بصورة كبيرة خلاله، وبالتالي سيكون أمام الحاكم الجديد فرصة 3 أشهر على الأقل، ليتقن “طرابيش” سلامة مثله، كي يستطيع الحفاظ على الاستقرار في سعر الصرف.
ورأت مصادر سياسية مطلعة على الملف أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو التمديد لسلامة حتى التسوية الشاملة، والتي ستتضمن رئيس جمهورية وحكومة وكل المراكز، كونه السيناريو الأقل ضرراً على النقد والاقتصاد.


