السلطات اللبنانية تحمي النظام السوري وتدفن ملف المخفيين قسراً

جورج حايك
اهلاي المفقودين اللبنانيين في سوريا

على الرغم من انسحاب النظام السوري ومخابراته من لبنان عام 2005، لم يرشح شيء بعد عن مصير اللبنانيين المفقودين والمخفيين قسراً في سوريا، وتبدو الصورة شبه غامضة الى درجة يحار معها أهالي هؤلاء الضحايا في كيفية التعامل مع هذا الوضع، في ظل إنكار النظام السوري وجود أي مواطن لبناني في السجون السورية.

منذ يومين لاحت فرصة لا تفوّت لمحاسبة النظام السوري على هذه الجريمة المتمادية، عندما تبّنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، قراراً تنشئ بموجبه مؤسسة مستقلة تحت رعاية الأمم المتحدة، معنية بالمفقودين والمخفيين قسرياً في سوريا، على أن يتمحور عمل الآلية حول توضيح مصير الأشخاص المفقودين اللبنانيين والسوريين، وتقديم الدعم للضحايا والعائلات! فكانت المفاجأة باتخاذ الدولة اللبنانية من خلال وزير الخارجية عبد الله بو حبيب قراراً بالامتناع عن التصويت على مشروع القرار حول المفقودين في سوريا على نحو اعتباطي، ضارباً عرض الحائط بالوضع الإنساني لمئات العائلات اللبنانية التي تعاني الأمرين منذ أعوام. والمفارقة الساخرة أن حجة وزارة الخارجية اللبنانية هي التماشي مع شبه الاجماع العربي، وعدم تسييس الملف الانساني بامتياز.

والحقيقة أن هذا التبرير غير منطقي ولا يتناسب مع شرعة حقوق الانسان، لأن النظام السوري لم يحتل الدول العربية، بل احتل لبنان طوال 30 عاماً وخاض معارك عسكرية فيه مع أكثرية المكوّنات اللبنانية بشقيها المسلم والمسيحي، وبالتالي هذه قضية إنسانية ووطنية، وما يفعله النظام السوري بالتواطؤ مع السلطة اللبنانية هو جريمة متمادية بحق عائلات هؤلاء المخفيين قسراً. وما يفعله بو حبيب هو “التسييس” بحد ذاته لأنه بامتناعه عن التوقيع على قرار الأمم المتحدة يحمي النظام السوري ويرضي محور الممانعة الذي يريد أن يجعل من لبنان جزيرة معزولة لا تمت بصلة إلى المجتمع الدولي وقراراته حتى في المواضيع الانسانية.

لكن هذا الموضوع الحسّاس كان يجب أن ينتهي عندما انسحب النظام السوري من لبنان، إلا أن النظام المارق ينكر وجود هؤلاء المعتقلين، والسلطة اللبنانية لم تبادر يوماً إلى ممارسة الشفافية ومصارحة هذا النظام بالموضوع لمعرفة مصير مئات المعتقلين اللبنانيين.

لم يكتنف الغموض ملفاً انسانياً كما اكتنف ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية. والأكثر غموضاً وايلاماً هو وقاحة المسؤولين والأجهزة المعنية في انكار وجود هؤلاء المعتقلين، على الرغم من أن لبعض الأهالي بطاقات وأذونات رسمية من الجهات السورية تسمح لهم بزيارة أبنائهم في السجون السورية، وكانوا يزورونهم فعلاً حاملين لهم الهدايا والطعام والملابس والأدوية!

السؤال الكبير الذي لا يجد أي من المهتمين بقضية المعتقلين جواباً عنه، هو لماذا اصرار القائمين على هذا الملف في سوريا على انكار وجوده بدلاً من تركه عرضة للاستثمار السياسي والاستغلال من هذا الطرف أو ذاك؟ اما التذرع بأن قضية بضع مئات من اللبنانيين المعتقلين في السجون السورية ضاعت في خضم الحرب الأهلية في سوريا والعدد الضخم من القتلى والجرحى المفقودين والمعتقلين، فليس مبرراً للتملّص من هذا الملف. بل الأجدى أن تكون الأزمة السورية سبباً للتحلّي بالشجاعة والاقدام على حل هذه القضية والكشف عن مصير المعتقلين، سواء أكانوا أحياء أم أمواتاً.

المؤسف أن هذا الملف لم يحظَ مرة بالاهتمام الكافي ولم يستحق حتى اعتباره قضية إنسانية ووطنية، وسط تجاهل سوريا إستغاثة الأمهات ونفيها مراراً وجود معتقلين، بينما جرى تأكيد من الأسرى المحررين الذين أعلنوا وجود رفاق لهم تعايشوا معهم على مدى سنوات طويلة، جمعتهم خلالها كل أساليب التعذيب بعد تهم وُجّهت اليهم على خلفية الانتماء الى أحزاب لبنانية مناهضة لسياسة سوريا، وبين حوادث فردية مع عناصر الجيش السوري والمجاهرة بطلب السيادة والاستقلال للبنان.

صحيح أن بعض هؤلاء المعتقلين قد عاد وفي جسمه ألف علّة وفي عيونه مئات الكوابيس، وبعضهم استشهد، لكن البعض الآخر منهم لا يزال ينوء تحت وطأة الاعتقال. هؤلاء لبنانيون يموتون كل يوم في غياهب الظلام والحرمان.

اما ظروف الاعتقال فبائسة، اذ أن أوضاع السجون أساساً في سوريا سيئة جداً: غرف ضيقة مظلمة لا تتمتع بأي شروط صحيّة، رؤية الشمس والنور ممنوعة، طعام سيء وأحياناً تجويع… يخرج بعدها، من حالفه الحظ وبقي حياً مصاباً بالسرطان والسل ومختلف الأمراض. اما التهم، في حال توجيهها، فهي كالعادة: التعامل مع اسرائيل، الاعتداء على السوريين، أو الانتماء إلى تيّارات وأحزاب تناهض سوريا، ولا سيما “القوات اللبنانية” وجنود “الجيش اللبناني” الذين حاربوا مع العماد ميشال عون والجماعات الاسلامية. وهنا تكمن المخالفة القانونية والخروج على كل الأعراف الدولية، التي تميّز حالات اعتقال اللبنانيين في سوريا.

يحوّل السجّانون جميع المعتقلين اللبنانيين في السجون السوريّة إلى أرقام، في محاولة لمحو ماضيهم وذكرياتهم. أما بالنسبة إلى أهاليهم وأبناء وطنهم، فهم لا يزالون يحملون أسماء وصوراً وهويات وذكريات ومشاعر ووجداناً.

عشرات الأسماء بل المئات منها لا تزال في البال، ثمة معلومات تشير إلى وجودها في السجون السورية، لكن لا شيء يؤكد أن أصحابها لا يزالون أحياء أو أمواتاً مثل نبيل سمعان وبسام مثلج وتوفيق الجمل وحسين شكر وعبد الناصر المصري والياس عبد النور وصائب سويد وجوزف عون وطانيوس شديد وبطرس خوند وكلود الخوري وادوار الخوري وجورج عوض ويوسف يمين وايلي السبّاك وجورج محفوض وشكر الله توما وجان جرماني وجوزف الحويك وجورج أبو نكد وطوني مطر وفؤاد بيان… واللائحة تطول.

اذا كان هؤلاء المواطنون اللبنانيون لا يزالون أحياء أو أصبحوا من الأموات، فسيكون ترك الدولة اللبنانية لهم في غياهب السجون السوريّة وصمة عار تاريخيّة ستُطبع على جبينها إلى أبد الآبدين. لنتخيّل أنهم أحياء، فهم حتماً يُعاملون كأنهم أقل من حشرات وأكثر من حجارة. هل يُعتبر منطقياً في القرن الحادي والعشرين أن يتعرض هؤلاء اللبنانيون لكل أنواع التعذيب كالضرب بالكابلات والسياط والفسخ والتعليق في الدولاب أو في الكرسي الألماني، وتعذيبهم بالكهرباء بحيث لا تنتهي جولة التعذيب الا بعد أن يكونوا قد شارفوا على الموت.

المعتقلون اللبنانيون في السجون السوريّة هم ضحايا الإخفاء القسري في التعريف العالمي، أي أنه عندما يُفقد شخص خلافاً لإرادته وترفض الجهة المسؤولة عن عملية اختفائه اعطاء أي معلومات عن مكان وجوده أو عن مصيره. معظم الأسرى في قضيتنا تحوّلوا ضحايا الإخفاء القسري لأننا لا نعلم حالياً ما هو مصيرهم، أهم قتلوا أم لا يزالون على قيد الحياة؟

لكن يجب الفصل تماماً بين قضية المعتقلين في سوريا وبين قضية المفقودين من جراء الحرب الأهلية، وعدم الخلط بينهما، سواء لجهل في القانون أو لأسباب أخرى. ويجب الحضّ على التمييز بين المعتقلين السياسيين في سوريا والمحكومين بجرائم جنائيّة، وتشكيل ملفات موثّقة وكاملة لدى الكتّاب العدل عن كل معتقل منعاً لاتلاف الدليل أو تصفية القضية وتمهيداً لمعالجتها بصورة قانونيّة وعمليّة.

ولا يجوز الاستسلام لفكرة أن لا معتقلين لبنانيين في السجون السورية، وخصوصاً أن كل نفي رسمي كان يعقبه اطلاق عدد من المعتقلين، أو يُعاد بعضهم جثثاً الى ذويهم!

عائلات هؤلاء تصاب بالذهول عندما تسمع وتشاهد ما يجري على هامش قضية أبنائها وأزواجها وأحبائها وتحت ستارها، وتطرح أسئلة عدة: لماذا يتطوع هؤلاء المسؤولون اللبنانيون للاعلان أن لا معتقلين لبنانيين في السجون السورية ولا يبادرون الى طرح الموضوع على القيادة السورية من أجل حل هذه المسألة مرة واحدة ونهائية، وتسليم الجثث واطلاق من تبقى وطيّ هذا الملف وإبعاده عن المتاجرة به واستخدامه سياسياً سواء ضد النظام السوري أو معه؟

مصير المعتقلين في السجون السورية ليس همروجة موسميّة، وليس مسموحاً لأيّ من السياسيين أو الأطراف الحزبية استخدام هذه القضية في الحرتقات ضد بعضهم البعض، حتى لو كان الدولة، بل هي قضية انسانية واجتماعية بامتياز تتعلق بشرفاء وأوادم وأبطال آمنوا فعلاً بالوطن الواحد وتحمّلوا المشقات والاذلال من أجل اطعام أولادهم والحصول على لقمة العيش بكرامة، لكنهم خطفوا على المعابر والحواجز أو اقتيدوا من داخل بيوتهم، ولم يتطوّع أحد سوى أهلهم للمطالبة بهم.

من غير السهل أن يعيش المرء على وتيرة الموت البطيء في ذاكرة النسيان، كما أن من المستحيل نسيان وجوه الأحبّة المعتقلين، المجهولي المصير.

كل الحوادث دلّت على صدقيّة مطالب أهالي المعتقلين وصحة البراهين، ولو أن المسؤولين اللبنانيين تعاطوا مع الملف انسانياً لما اضطر الأهالي الى الاتصال بهيئات عالمية وسفارات، أو إلى الاعتصام المتواصل منذ أعوام أمام مقر الأمم المتحدة في ساحة رياض الصلح.

فالألم يبقى اياه لاختفاء زوج أو زوجة أو ابن أو ابنة أو أي فرد أو أفراد من العائلة. فالمعاناة النفسيّة هي أوّل نتيجة للاختفاء القسري. والانتظار، ليس أياماً وشهوراً فحسب، بل أعوام طويلة، يقترن دائماً بألم وحزن شديدين يتجاوزان بقوّتهما كل واقع أو تفسير أو منطق. وبالنسبة الى الأهالي والأقرباء والأصدقاء، فإن المفقودين ليسوا مجرّد حالات أو أرقام أو أشخاص لا معلومات عنهم أو تعريفات قانونية، بل هم أحباء انتزعوا بالقوة من أكناف عائلاتهم من دون سبب وجيه، وبلا وجه حق، وكانوا ضحايا أبرياء لأنظمة وأوضاع عنف، والحياة من دونهم لم تعد كما كانت.

أمام هذا الغموض السلبي المستمر حول المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، كان لا بد من الدولة اللبنانية من أن تصوّت على مشروع قرار لانشاء الهيئة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، لتبريد مشاعر أهالي المعتقلين الذين لم يملّوا من الانتظار.

شارك المقال