“الدويلة” الكهربائية تستفزّ الطرابلسيين

إسراء ديب
الواح الطاقة الشمسية

تُسيطر ألواح الطاقة الشمسية على أسطح المنازل في طرابلس، فقلّما تجد مبنى أو مشروعاً سكنيّاً لا يحمل العشرات من هذه الألواح على سطحه، في مشهد جديد وغير مألوف منذ أعوام فرضه غياب وتقصير السياسات الرسمية التي تُؤدّي إلى مدّ المنازل بالطاقة الكهربائية، واستبداد أصحاب المولّدات الخاصّة الذين باتوا “دويلة كهربائية” تتحكّم بمصير الناس نظراً الى حاجتهم إلى هذا المصدر خصوصاً خلال فصل الصيف الذي يفتح بحلوله أزمات مختلفة لا تُعدّ ولا تُحصى.

ويلجأ المئات من الطرابلسيين إلى هذا الخيار المكلف والمريح في الوقت عينه، وقد تكون تكلفته أقلّ بكثير من الاعتماد على المولّدات وحتّى على ساعة الكهرباء الرسمية التي أصدرت فواتيرها المرتفعة للغاية والصادمة بالنسبة الى الكثيرين منهم، ما دفع بعضهم إلى توقيفها واختزال وجودها بالرسوم التي قد لا يدفعون ثمنها أحياناً، فيما تمكّن آخرون من إزالة الساعة نهائياً هرباً من هذه المسؤولية التي يرون أنّهم “بغنى عنها” في وقتٍ يستمرّ فيه التقنين الكهربائي القاسي.

إنّ نقص الامداد الكهربائي الرسمي، يلحقه تراجع في ساعات التغذية من أصحاب المولّدات الذين غالباً ما يُدركون حاجة الناس الماسّة في هذا الفصل إلى الماء والكهرباء، ما يدفع بعضهم إلى تقليص عدد ساعات التغذية ومضاعفة التقنين، فيما يقوم آخرون بتقديم هذه التغذية (غير كاملة) لكن بسعر مضاعف لا يتحمّله المواطن الطرابلسيّ الذي قد يكون عاطلاً عن العمل، أو يعمل في مهنة حرّة لا تمدّه بمبلغ ماليّ كاف، وحتّى لو كان موظفاً فإنّ راتبه لن يكفيه ليسدّد هذه المبالغ التي تُضاف إلى مجموعة مسؤوليات مادّية تُنهك الطرابلسيين، ولهذه الأسباب يندفع الكثير منهم إلى اختيار خدمة الطاقة الشمسية.

بصورة عامّة، لا تقتصر هذه الخدمة على الفئات الثرية أو على الأحياء الجديدة في طرابلس، بل امتدّت لتشمل أحياء شعبية وفقيرة تمكّن بعض أهلها من الاستدانة أو الاعتماد على المغتربين غالباً لإقامة هذه المشاريع التي يُوفرون باستخدامها ثمن الاشتراك الشهري. من هنا، لا يُخفي أبو سمير – الزاهرية أنّ ابنه المغترب إلى فرنسا منذ أربعة أعوام، تمكّن من إرسال مبلغ ماليّ إليه سمح له بشراء ألواح للطاقة الشمسية، موضحاً لـ “لبنان الكبير” أنّ أحد أصحاب المولدات في المنطقة يحرمهم من الكهرباء طيلة النهار والليل ولا يُؤمّنها إلّا لـ 8 ساعات أو 10 أحياناً، “فيمنعها عنّا مساءً وهذا ما يُربكنا في فصل الصيف الذي كنّا قد عانينا منه العام الماضي، وفي وقتٍ كانت تغيب عنّا كهرباء الدّولة، كان يقطع الاشتراك الذي أستهلك 3 أمبير منه فقط، فلا يُمكنني تشغيل محرك المياه وبقينا العام الماضي بلا كهرباء ولا ماء، وهذه هي حال الكثير من الطرابلسيين الذين لا يشترون خزاناً خاصّاً للمياه بل يتكلون على بئر يعتمد عليه كلّ المبنى ويحتاج إلى محرّك قويّ لتنشيط حركة المياه إلى الأعلى، وبالتالي إنّ ابني الذي سافر بهدف العلم منذ سنوات، أرسل لي هذا المبلغ لنستريح من هذه الغمّة كما قمنا بإزالة الاشتراك واعتمدنا قليلاً على ساعة أو ساعتين من الدّولة”.

أمّا أم محسن- القلمون، فتؤكّد لـ “لبنان الكبير” أنّ المغتربين هم “الكلمة المفتاح لأيّ مساعدة تسمح بافتتاح مشاريع للطاقة الشمسية، كذلك المساعدات التي تأتي من الجمعيات أو الوكالات العربية أو الغربية، وبالتالي إنّ هذه المساعدات نجحت في بعض البلدات، فيما لم تُشكّل نجاحاً في بلدات أخرى لظروف عدّة قد تعود إلى كيفية إدارتها وتمويلها بصورة كاملة، ونحن ننتظر وصول هذه المشاريع التي وعدنا بها في منطقتنا كأيّ مساعدة أخرى كان يُنفذها المغتربون”.

ويُندّد بعض المتابعين بتصرّفات بعض أصحاب المولّدات شمالاً، ويقول أحدهم لـ “لبنان الكبير”: “إنّ سعر الأمبير الواحد وصل عند البعض إلى 35 دولاراً، وهو لا يُقدّم التغذية بصورة كاملة، بل يُعطيها بنسبة قليلة لا تليق بحجم الأموال التي يتلقاها والأرباح التي يجنيها من هذه التجارة التي باتت تؤذينا خصوصاً خلال فصل الصيف بحيث سنواجه كارثة إنْ لم يتمّ إمدادنا بالكهرباء، وأبرزها مرتبطة بالمياه وهذا ما يدفع العائلات إلى التحدّث عن الطاقة الشمسية التي لا تعمل في فصل الشتاء إلّا بشروط معيّنة”.

أضاف: “في فصل الصيف تُعدّ هذه الطاقة مفيدة للجميع سواءً أكانوا من الأفراد أو المؤسسات، كما تُعتبر كهرباء الدّولة المساعدة الرئيسة معها، تماماً كما تعتمد عليها دول خليجية في الصحراء مثلاً، لا سيما وأنّها وسيلة يبقى ثمنها (3000 دولار وتختلف الأسعار حسب نوع الألواح وعددها)، أقلّ من المولّدات التي قد يلجأ بعضهم إلى شرائها واستهلاك الوقود باستمرار لتشغيلها، ما ينعكس على الظروف المادّية بحيث سيضطر إلى دفع ثمن المازوت المستخدم، عدا عن تعرّض هذه التجارة إلى الكثير من الثغرات أبرزها مرتبط بفقدان الوقود كما شهدت البلاد سابقاً، كما ينعكس على البيئة عموماً اذ يتصاعد الدخان الملوّث والذي يُضيف بدوره المزيد من التلوّث إلى التلوّث الذي تُواجهه المدينة أساساً”.

شارك المقال