عين الحلوة على خط التوتر العالي بين “الممانعة” والسلطة الفلسطينية

جورج حايك

لا يكفي أن يقول الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله: “لا علاقة لنا، لا من قريب ولا من بعيد، بأحداث عين الحلوة”، حتى يُصبح بمنأى عن المعارك الضارية التي يشهدها المخيّم بين حركة فتح من جهة والفصائل الفلسطينية الاسلامية المتطرفة من جهة أخرى.

فهذا الكلام يبدو بعيداً عن الحقيقة ويستخف بعقول اللبنانيين، لأن الكثير من العارفين بشؤون المخيّم الداخلية، مضطلعون على علاقة “الحزب” ببعض هذه الفصائل، علماً أنه لا ينكر أن المخيّم ساحة من ساحات الجهاد والمقاومة، وبالتالي هدفه السيطرة على القرار السياسي والعسكري فيه، وهنا بيت القصيد.

لا شك في ان بعض الفصائل الفلسطينية الاسلامية مموّلة ومسلّحة من ايران، وما كان “حزب الله” سيسمح بدخول السلاح اليها من دون علمه. وهنا لا داعي للإستغراب، ففي عين الحلوة طريقان رئيسيان لا يمكن عبورهما من دون المرور على حواجز الجيش اللبناني، الذي لا يتساهل مع عمليات إدخال السلاح إلى المخيّم، أما الباقي فهو أزقة ودهاليز أشبه بالأنفاق أو الممرات الداخلية، ويتمحور حولهما وبينهما كل شيء، ويتم إدخال السلاح عبرها لتسليمه إلى الفصائل الفلسطينية المحسوبة على إيران.

إذاً، الفصائل الفلسطينية الاسلامية مدعومة اجمالاً من الثنائي الشيعي، خصوصاً بعد حرب المخيمات، حين حاول النظام السوري الحدّ من نفوذ ياسر عرفات في جنوب لبنان من خلال حركة “أمل”، وفي زمن الوصاية السورية (١٩٩٠) حاول أن يضع حداً لنفوذ عرفات في مخيمي عين الحلوة قرب صيدا والرشيدية قرب صور.

وتنامى نفوذ الفصائل الفلسطينية الاسلامية في مخيم عين الحلوة حتى تحوّل الى ملاذ آمن للاسلاميين اللبنانيين والسوريين وغيرهم، فلجأ إليه مثلاً منفذو عملية اغتيال الشيخ نزار الحلبي. وبعد أحداث الضنية في مطلع الألفية الثانية بين الجيش اللبناني والمجموعات الأصولية، سيطر الجيش اللبناني على الوضع، فانتقل عدد كبير من المسلحين من التنظيمات الأصولية إلى مخيم عين الحلوة ليأخذوا اسم “جماعة الضنية”.

بدأ تمدد حركتي “الجهاد الإسلامي” و”حماس” في المخيم بعد اتفاق أوسلو، وبعد ترهل حركة “فتح”، وقد أخذ “حزب الله” على نفسه دعم حركتي “الجهاد” و”حماس” وبعض التنظيمات الأصولية الصغيرة داخل المخيم. ولكنّ هذا الدعم تراجع تزامناً مع اندلاع الحرب في سوريا ووقوف “حماس” ضد النظام السوري، إلا ان العلاقة بين الجانبين عادت الى مستوى أرفع من التنسيق بتدخل ايراني في ضبط جبهة الممانعة.

واللافت أن دعم “الحزب” لهذه الفصائل يأتي في سياق عدائه للسلطة الفلسطينية التي تتمثّل في المخيّم بـ”فتح”. وهنا لا بد من الدخول في دوافع “الحزب” من المعركة الجارية حالياً في عين الحلوة، فهو يتّهم السلطة الفلسطينية بأنها متعاونة مع الاحتلال الاسرائيلي لأنها لم تسلّم رايتها لإيران، وتحافظ على الهوية الفلسطينية العربية وهي تقف بشخص رئيسها محمود عباس بمواجهة تعدد السلاح في غزة والضفة الغربية، قائلاً:”لن يكون هُناك إلّا سلاحٌ واحد، وهو سِلاحُ السّلطة في الضفّة الغربيّة وقِطاع غزّة، ولن يسمح بأيّ سِلاحٍ آخَر”، وهو أرسل رئيس مُخابرات السّلطة الفِلسطينيّة في الضفّة الغربيّة اللواء ماجد فرج لتطبيق هذه الاستراتيجيّة في مُخيّمات في لبنان. ويبدو أن اللواء فرج طلب لقاءً مع الأمين العام لحركة “الجهاد الإسلامي” زياد النخالة لبحث مُقاطعته لاجتماعِ الأُمناء العامّين في مدينة العلمين المصرية، والتّهدئة في مُخيّم جنين وشِمال الضفّة، ولكنّ النخالة رفض هذا الاجتماع، واكتفى بمكالمة هاتفيّة رفض خِلالها أيّ مُفاوضات مع اللواء فرج، قبل الإفراج عن بعض المتورطين في جرائم وعمليات ارهابية من الحركة والفصائل الأخرى في سجون السّلطة.

وليس سراً ان زيارة فرج إلى عين الحلوة فجّرت غضباً شديداً في الأوساط القياديّة لـ”حزب الله” التي أدركت ان هدفها كان محاولة تقوية دور “فتح” من خلال التنسيق مع السلطات اللبنانية والجيش اللبناني تحديداً وشعبة المعلومات في قوى الامن الداخلي. فقد تم التوصل في نهاية المطاف الى محاولة ايجاد طريقة عيش بين الدولة و”فتح” على أساس ان تقوم “فتح” بجمع السلاح من المخيمات التي تسيطر عليها، شرط ان تبدأ الدولة اللبنانية بممارسة ضغوط ووضع حدود لنشاطات “حماس” والمجموعات الفلسطينية التابعة لها.

إعتبر “الحزب” ان تحرّك السّلطة الفلسطينيّة وقوّاتها الأمنيّة تحديداً، إلى لبنان، خط أحمر، وبالتالي اوعز إلى الفصائل التي تدور في فلكه لتنفيذ عملية اغتيال القيادي في “فتح” أبو أشرف العرموشي، مع 4 من مرافقيه، فيما جرح آخرون بعد تعرضهم لكمين في مخيم عين الحلوة، وهكذا اندلعت المعارك الضارية.

يتحدث خبراء عسكريون استراتيجيون عن ان مشروع “الحزب” هو انهاء ملف عين الحلوة امنياً وعسكرياً، ليستكمل انتشاره وتحقيق مشروعه الإيراني على الاراضي اللبنانية، بعدما فشل في احتواء المخيم بالرشاوى ودفع الاموال لبعض المجموعات، ولم يعد لديه للضغط على المدينة واهلها إلا تفجير معركة عسكرية والتسبب بكارثة انسانية واقتصادية. علماً أن “فتح” اتّهمت “الحزب” بإشعال الوضع، معتبرة إن تنظيم “جند الشام” دخل المخيم بمعرفة “الحزب” لإشعال الوضع، وهي تعي أن هناك محاولات لطردها من المخيمات وتحويلها مرتعاً للإرهاب.

هدفان يصبو اليهما “الحزب” من هذه المعارك في عين الحلوة: الأول، قطع الطريق أمام محاولة توحيد الفلسطينيين عبر الحوار وفق طريقة عمل واحدة. هذه المحاولة كانت تحدث في مصر وانضمت اليها “حماس” وسبقها اجتماع في انقرة برعاية الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الذي جمع رئيس المكتب السياسي لـ”حماس” اسماعيل هنية ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. كل ذلك كان يحصل ضمن إطار التفاهمات المصرية والتركية لجمع الفلسطينيين حول سلوك موحد في حال حصول مفاوضات دولية لإعادة ترتيب الشرق الاوسط.

الهدف الثاني، هو نقل القرار الفلسطيني في المخيمات إلى الممانعة وليس “فتح” أصحاب القضيّة، بما يسهّل استخدام الممانعة الورقة الفلسطينيّة لأهداف تخريبيّة، وخطف العلم الفلسطيني ووضعه في طهران في سياق مراكمة أوراقها التفاوضيّة تحسيناً لشروط مفاوضاتها مع الولايات المتّحدة الأميركيّة.

أمام هذا الواقع، اتّجهت الأنظار إلى الجيش اللبناني، الذي يبدو ان هناك موقفاً رسمياً بعدم الدخول في هذه المعركة كي لا تتكرر معركة “نهر البارد” جديدة، فحاول حصر الاشتباكات داخل المخيم ومنع امتدادها إلى خارجه.

المطلوب من الحكومة اللبنانية معالجة الملف بشكل جذري، وهذا يحتاج الى قرار من كل القوى السياسية بمنع وجود السلاح بالأخص في المخيمات الفلسطينية، علماً أن السلطة الفلسطينية مواقفها واضحة بوجوب بسط الدولة اللبنانية سيادتها على المخيمات الفلسطينية، لتأمين الأمان والسلام لكل اللاجئين الموجودين داخل المخيمات.

لكن يبدو ان الدولة اللبنانية تنازلت منذ زمن عن دورها لمصلحة “حزب الله”. لذلك يبقى لبنان بحاجة إلى انتخاب رئيس جمهورية يستعيد القرار السياسي من “الحزب” لترتيب الشأن الداخلي اللبناني، وتنظيم مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وتجريدها من السلاح طوعاً أو قسراً.

شارك المقال