ثلاثون عاماً، ولم تُحسن الدولة إدارة مؤسسة “كهرباء لبنان”، ما تسبب بانقطاع الكهرباء على نطاق واسع. هذه العقود من السياسات غير المستدامة والاهمال الواضح، نتيجة سيطرة النخبة على موارد الدولة والفساد المزعوم والمصالح الخاصة، أدت الى انهيار القطاع بالكامل في العام 2021، في خضمّ الأزمة الاقتصاديّة المستمرّة، ما ترك البلاد بلا كهرباء في معظم أوقات اليوم. والصادم البيان الذي أصدرته “كهرباء لبنان” ليل أول من أمس ويفيد بأن الشركة المشغّلة لمعملي دير عمار والزهراني “برايم ساوث” توقفت عن العمل وقررت تسليم المعملين الى المؤسسة، ما يعني انقطاع الكهرباء عن المناطق اللبنانية كافة! ان إنتاج الكهرباء في لبنان 580 ميغاواط يومياً، 90% منها من مجموعتين في معمل دير عمار، ومجموعة واحدة من معمل الزهراني. وفي ظل الظروف الاستثنائية الراهنة في البلاد، توقفت محطات ضخ المياه ومعظم المرافق العامة، لأن هذين المعملين هما الحراريان الوحيدان الموجودان على الشبكة الكهربائية الوطنية اللبنانية حالياً.
وفي سياق ما يحصل في قطاع الكهرباء، يقول الوزير السابق ريمون غجر لـ “لبنان الكبير”: “إن السؤال يكمن في هل هناك خطة بديلة تسمح لكهرباء لبنان بتسلم المعمل؟ فعندما لا نجد الكهرباء هنالك حتماً مشكلة كبيرة!”. ويعرب عن قلقه من “أننا أصبحنا في العام ٢٠٢٣ والوضع لا يزال في معاناته من الكهرباء، كما أن المواطن اللبناني الذي يستفيد من ساعتين أو ثلاث ساعات لتسيير أمور حياته بعيداً عن الطاقة البديلة لا يستطيع تحمّل أعباء اضافية على الاشتراك أي أنه سيقع ضحية هذه الاجراءات، بالاضافة الى أن مؤسسات الدولة تتغذى على كهرباء لبنان لأكثر من ساعتين أو ثلاث نسبة الى أنها على خطوط محددة”.
ويشير غجر إلى أن “الكهرباء حياة”، ومن الطبيعي أن يتأثر المواطنون اللبنانيون أصحاب الدخل المحدود والفقير عدا عن أولئك الذين يتقاضون دخلاً لا بأس به… فإن لم تكن هناك قدرة على تشغيل المعملين، من الموظفين إلى المشتركين إلى المال، هل تستطيع كهرباء لبنان تحمّل هذا العبء؟ وهنا تحديداً “سؤال المليون دولار”.
“ستتسلم كهرباء لبنان المعمل ويتوقف”، بحسب غجر الذي يعتبر أن “الوزارة غير قادرة على تشغيله ولا حتى أي عنصر آخر! لذلك هذه المعامل التي تقدّر قيمتها بملايين الدولارات تحتاج الى متخصصين وقطع غيار بالاضافة الى الامكانية الكافية، فإذا أقدمنا على تشغيله وفقدناه في سبيل توفير١٠ دولارات في مكان معين سنكتشف خسارة بقيمة المعمل تقدر بآلاف الدولارات”.
ويختم غجر كلامه بأن المسؤولية تقع على كل منا بادراك مخاطرة الموظف، فإذا قالت “كهرباء لبنان” انها قادرة على تحمل العبء فهي حتماً قادرة، لأن الموضوع لا يحتمل “المزح”.
وتؤكد مصادر مطّلعة لـ “لبنان الكبير” أن شركة “كهرباء لبنان” سبق وطلبت تحويل مبلغ بقيمة عشرة ملايين دولار لحساب المشغل بموجب عقد تشغيل وصيانة معملي دير عمار والزهراني، ولكن كالمعتاد لم يسدد هذا المبلغ إلى المشغل في التاريخ المحدد. وتشدد على أن كهرباء لبنان تعمل على تأمين الدولارات لقطاع الكهرباء قريباً، مشيرة الى أن ثمّة تعاون بين الحكومة ووزارة المال ومصرف لبنان لإيجاد حلّ لحاجات وزارة الطاقة من دون أيّ تأثير سلبي على سوق القطع.
وتضيف المصادر: “يتعين على لبنان اتخاذ اجراءات فوريّة لتعزيز قطاع الكهرباء والتصدّي للتآكل المستمرّ للحقوق الاقتصاديّة الأساسيّة. وينبغي على الحكومة الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة التي ستخلق فرص عمل وتخفض التلوث، وتُمكن الناس في لبنان من الحصول على كهرباء موثوقة وآمنة ونظيفة”.
ويشكو المواطن محمد المجذوب من فشل السلطة، والسرقات التي حصلت خلال فترة تسلم وزارة الطاقة، موجهاً أصابع الاتهام الى الدولة اللبنانية. كما يعرب عن دهشته من اخفاء موضوع كهذا، معتبراً أن “من المعيب أن نسمع مثل هذه الأخبار المهمّة من المحطات التي لولا تصريحها لما عرفنا أن المعملين يسلّمان زمام الأمور الى دولة اقتصادها متعب والبنى التحتية فيها مدمّرة بالكامل”.
“كوكتيل الخطط” لن يؤمّن كهرباء مستمرة ومستقرة في لبنان إن لم تستفق الجهات المعنية، وتعيد معادلة الوفاق من أجل الشعب وتعمل على تسديد ديونها كاملة من دون تقاعس، ولن يحصل لبنان حتّى على شمعة يضيء بها موطنه، ولو أضاء فلن يبصر.


