مشهد حرق الصليب في عين إبل… عمل عفوي أم رسالة موجهة؟

محمد شمس الدين

أحيا حزب “القوات اللبنانية” ذكرى أربعين القيادي القواتي الياس الحصروني، الذي خطف وقتل في قريته عين إبل الجنوبية على يد مسلحين، وذلك في العديد من المناطق، ومنها بلدة المغدور عين إبل، وفي حين تعد جموع الشموع والمشاعل أمراً تقليدياً إلا أن حرق مجسم للصليب لفت أنظار الرأي العام اللبناني، وحتى الجمهور المسيحي، فهل هناك رمزية لهذا الأمر؟

في بحث تاريخي، نجد أن حرق مجسم الصليب له أصول اسكتلندية، وكان اسم التقليد crann tara، واستعمله الاسكتلنديون كإعلان للحرب، ومعناه أن كل أعضاء القبيلة يجب أن يجتمعوا للدفاع عن هذه النقطة. وفي مناسبات أخرى كانوا ينتقلون بالمجسم المحروق من قرية إلى قرية من أجل تجنيد الميليشيات للدفاع ضد الغزاة.

ولكن حرق مجسم للصليب لطالما ارتبط بالمنظمات العنصرية الأميركية المتطرفة مثل “كلوكس كلان” أو KKK، التي تؤمن بتفوق العرق البروتستانتي الأبيض على غيره من الأعراق والديانات،

وتعارض تحرير السود وحصولهم على الحقوق المدنية، كما تطالب بالقضاء على الأقليات الدينية والعرقية في الولايات المتحدة الأميركية. وشنت هذه المنظمات هجمات استهدفت إلى جانب الأفارقة الأميركيين (العدو رقم واحد بالنسبة اليها)، الكاثوليك والرومان واليهود والمهاجرين، وهي تنتهج “العقاب اللينشي” أي تقوم مجموعة من المنظمة بخطف من تعتبره مجرماً وتعدمه شنقاً من دون محاكمة.

وعلى الرغم من أفول نجم هذه المنظمات وتقلص عدد أعضائها، تحديداً في الحرب العالمية الثانية بعدما اتضح تبنيها أفكار النازية وارتباط بعض عناصرها بالنازيين ودعمهم، إلا أنها بقيت موجودة في الولايات المتحدة، ببضعة آلاف بعدما وصل عدد المنتسبين إليها في أوجها إلى حوالي خمسة ملايين. وشهدت ايديولوجية هذه المنظمات رواجاً في العصر الحديث بعد انتخاب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، مع ارتفاع موجات العنصرية “الأهلانية”(أي عنصرية أهل البلد الأصليين ضد المهاجرين).

وضجت مواقع التواصل الاجتماعي بمشاهد مجسم الصليب المحروق، التي اعتبرها البعض شعائر غريبة وتحريضية متطرفة، لا تشبه لبنان ولا الديانة المسيحية والكنيسة.

فيما رأى اَخرون أن المشهد يندرج ضمن اللعب على الوتر الطائفي من أجل شد عصب يميني متطرف، بعد أن عادت لغة “نحن وهم” وارتفاع نبرة الهاجس الوجودي.

وتواصل “لبنان الكبير” مع عدد من أهالي عين إبل ممن شاركوا في ذكرى أربعين الحصروني، الذين نددوا بالحملة المثارة بسبب المشهد، لافتين الى أن “رمزية الصليب، والنار في عيد الصليب متلازمة، كي تبقى صلباننا ساطعة ونور العالم”. وأكدوا أن ليست هناك نوايا أو أجندات خفية وراء حرق مجسم للصليب، مشيرين الى أن ما حصل هو “عمل اقترحه أهل الشهيد، وتبناه أهل المنطقة بطريقة عفوية”.

وشددوا على أن “حرصنا على الصليب هو حرصنا على أرضنا ووجودنا ووطننا”.

إن كان ما حصل فعلياً عملاً عفوياً أو منظماً يهدف الى توجيه رسائل، فالمشكلة ليست هنا، انما في الخطاب التحريضي في البلد الذي يتصاعد يوماً بعد يوم، وفي بلد يفترض أنه رسالة في التعايش، هذا الخطاب يدمر روحيته التي تأسس عليها.

شارك المقال