حلّ وفد من صندوق النقد الدولي برئاسة آرنستو ريغا ضيفاً على لبنان من أجل متابعة وتقويم التقدّم الحاصل على صعيد تنفيذ البرامج الاصلاحية المُتّفق عليها في نيسان العام 2022، والاستفسار عن مصير لائحة الاصلاحات التي اشترطها الصندوق مقابل تقديم الدعم المالي المنشود. واستهلّ الوفد جولته باجتماع مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي في حضور نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي، ووزير الماليّة يوسف خليل، تمّت خلاله مراجعة الاتفاق الأوّلي المُبرم بين الحكومة والصندوق والبنود التي تمّ تنفيذها وفق الاتفاق.
جولة بعثة صندوق النقد الدولي إلى بيروت تتضمّن مروحة لقاءات واسعة مع عدد من الشخصيات السياسية والمالية والنقدية، وتأتي بعدما أطلق الصندوق في حزيران الماضي صفارات الانذار مُنبّهاً على الخطورة المتفاقمة التي تجعل لبنان أمام مُفترق طرق. وأكد أنّ التقاعس عن اتخاذ إجراءات مطلوبة من شأنه إدخال البلاد في أزمة لا نهاية لها، مُبدياً قلقه من العرقلة المتعمّدة الدافعة الى الانهيار الحتمي. فعلى أرض الواقع، لا تزال الاصلاحات قيد المراوحة والمماطلة، إذ لا جديد يُذكر على صعيد مشاريع القوانين التي أحيلت على البرلمان سوى إقرار موازنة العام 2023 وطرح موازنة العام 2024 للمناقشة. أمّا في ما يتعلّق بالقوانين المُلحّة المُتبقيّة مثل إعادة التوازن للنظام المالي، إقرار قانون “الكابيتال كونترول”، هيكلة القطاع المصرفي، تحديد حجم الخسائر وإعادة أموال المودعين، فالمسار لا يزال مُجمّداً ومعلّقا لا سيّما مع تزايد الأخذ والرد وتقاذف السجالات بين الأطراف الحكومية والتشريعية حول الجهة المسؤولة عن التأخّر في تنفيذ الاصلاحات.
ولعلّ التطوّر الايجابي الذي يرافق هذه الزيارة هو تسلّم وسيم منصوري – المدعوم من صندوق النقد – منصب حاكميّة مصرف لبنان بالانابة واعتماده سياسات جديدة تتماشى مع توجّهات الصندوق وتحظى بتأييد شعبيّ وقبول واسع لدى المجتمعين العربي والدولي بدءاً من إصراره وتمسّكه بعدم المس بالاحتياطي الالزامي من أجل تمويل مستلزمات الدولة وعجز ميزانيتها، مروراً بتأكيد التزامه بالحفاظ على دولارات المودعين والعمل على وضع إطار قانوني لها في أسرع وقت، وصولاً إلى إيفائه بوعده عبر إلغاء منصة “صيرفة” واستبدالها بمنصّة “بلومبرغ” العالمية في خطوة أوليّة نحو محاولة توحيد سعر الصرف، أحد أبرز مطالب صندوق النقد الأساسية، وتعهّده بإطلاقها بشكل يضمن إستمرار الاستقرار النقدي الموجود حالياً. وكان منصوري عقد سلسلة من اللقاءات مع القطاعات المالية والمصرفية العربية الرسمية والخاصة، الراغبة في تجديد مشاريعها الاستثماريّة في لبنان وذلك على هامش مشاركته في المؤتمر المصرفي العربي، الذي انعقد في الرياض، تحت عنوان “الآفاق الاقتصادية العربية في ظل المتغيرات الدولية”.
وسط التجاذبات السياسية والاختلافات المُستشرية وإخفاق السُّلطات في تطبيق الاصلاحات المُجدية، يسعى الحاكم بالإنابة من خلال سياساته المُعتمدة والتزاماته المُطمئنة الى إرسال إشارات حسن نيّة إلى المجتمع الداخلي والخارجي في محاولة لاعادة اكتساب الثقة بالنظام المالي والاقتصادي اللبناني المُنهار وتمهيد الطريق أمام المؤسسات النقدية العربية والدوليّة لاستكمال دورها الداعم. فدرب الاصلاحات العالق منذ حوالي سنة وخمسة أشهر، أضاع على لبنان فرصة التوصّل إلى تفاهم نهائي مع الصندوق يُعيد تصحيح المسار المالي والنقدي ويضع الاقتصاد اللبناني على سكّة النهوض والتعافي ويفك العزلة عن البلاد ويُخرجها من حالة التدهور والإنهيار المُتمادي. فهل يُمكن أن تنجح مساعي منصوري حيث أخفق السياسيون؟


