حركة فرنجية… بلا بركة!

جورج حايك

من ينظر إلى المشهد السياسي اللبناني من بعيد، ويرى حركة رئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية والرئيس السابق للحزب “التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط، يظن أن الملف الرئاسي وُضِعَ على نار حامية، وخصوصاً أن حركة الموفدين الأوروبيين والأميركيين بإتجاه لبنان لم تتوقّف، تارة لتحريك الموضوع الرئاسي وطوراً للمفاوضة على تطبيق القرار 1701.

لكن أجواء المعارضة النيابية السيادية تضع الأمور في سياقها الحقيقي والواقعي، وترى مصادرها أن لا أفق رئاسي لفرنجية وهذا الأمر بات محسوماً لسببين: الأول داخلي يتعلّق بالتوازنات بين الممانعة والمعارضة داخل المجلس النيابي، علماً أن المعارضة أسقطت ترشيح فرنجية وقطعت الطريق أمام وصوله إلى الرئاسة، كما أطاحت المبادرة الفرنسية التي كانت تسعى إلى تسويقه في الداخل. السبب الثاني يتعلّق بالعوامل الخارجية وأهمها اللجنة الخماسية الدولية التي باتت مقتنعة بالخيار الثالث ومن ضمنها فرنسا، والجميع أصبح يعرف أن الأزمة الرئاسية تقف خلفها الممانعة، وهنا بيت القصيد.

في المقابل، يكشف نائب من قوى 8 آذار أن فرنجية يعرف مدى حظوظه الرئاسية، وهذا يتعلق بميزان الربح والخسارة اقليمياً، ورهانه أن ينتصر “الحزب” اقليمياً ويفرض شروطه في الداخل، وبالتالي لا يريد سحب ترشيحه، وتقضي مصلحته أن يقوم بحراك سياسي يُثبت أنه لا يزال موجوداً على الساحة.

أما مصادر المعارضة فتؤكد أن لا أفق لتحرك فرنجية، وهو يُدرك هذا الأمر، بسبب التوازات الداخلية، علماً أن محور الممانعة الداعم له كان في وضعية أقوى قبل 7 تشرين الأول، ولم يستطع إيصاله إلى الرئاسة، فكيف بالأحرى بعد 7 تشرين؟ فالكفّة اليوم لا تميل إلى “حزب الله” الذي أصبح في وضعية تراجعية.

لكن هذا لا يعني أن “الحزب” لا يستغل كل ظرف لإجراء صفقة مع عواصم القرار، وقد تسرّبت معلومات تشير إلى أنه طرح، بصورة غير مباشرة، على مفاوضيه أي الولايات المتحدة الأميركية مقايضة بإعطائه رئاستي الجمهورية والحكومة مقابل تنفيذ القرار1701 وضرورة رجوعه إلى نهر الليطاني، إلا أن مصادر المعارضة واثقة من أن الجواب كان الرفض، ولم تدخل الولايات المتحدة ولا فرنسا معه في هذه المقايضة، بل كان النقاش محصوراً بتنفيذ القرار 1701، وبالتالي تتركّز أولويات “الحزب” على المواجهة العسكرية في الجنوب وفق شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، ولا مجال للبحث في الانتخابات الرئاسية اليوم.

مع ذلك، ذهب بعض المراقبين بعيداً في تفسير لقاء فرنجية – جنبلاط، وتلفت مصادر المعارضة إلى أن جنبلاط لم يفكّر في تغيير تموضعه في المعركة الرئاسية ولا يزال مؤيداً للخيار الثالث، إلا أنه يفضّل القيام بحركة سياسية، ولو في إطار التواصل الاجتماعي، ليبعث رسالة بأنه موجود أيضاً، ومنفتح على الجميع، ويحرص على ابداء حسن نيّته حيال “الحزب”، من دون التزامات رئاسية. أما الطبق الأساسي بينه وبين فرنجية فكان تعيين رئيس أركان للجيش اللبناني، وقد جرى التفاهم إلى حد كبير في هذا الملف.

أما كلام الرئيس نبيه بري حول “أن المرشح الوحيد المعلن هو فرنجية والباقون إما لم يعودوا موجودين أو لا يريدون الترشح”، فيتقاطع مع حركة فرنجية السياسية، ويقطع الطريق أمام مساعي “القوات اللبنانية” التي أرادت الافادة من تجربة التمديد العسكري في المجال الرئاسي، وهي طرحت حلّين لموضوع الانتخابات الرئاسية: الأول أن يدعو بري إلى جلسات مفتوحة ومتتالية حتى إنتخاب رئيس، والثاني أن تجري حوارات ومشاورات ثنائية، تفضي إلى توافق حول إسم مرشح ثالث وتتم ترجمة ذلك بانتخابه في المجلس النيابي.

لكن مصادر المعارضة تجزم بأن الثنائي الشيعي لا يريد رئيساً في هذه المرحلة، وكلام بري التصعيدي يعكس ذلك، لذلك يهرب إلى الأمام عبر التمسّك بترشيح فرنجية وحصر الحوار حوله، ومن الواضح أن “الحزب” لن يفتح المجال أمام انتخاب رئيس إلا ضمن سلّة متكاملة، وبالتالي هو ينتظر ظروفاً معينة يكون ملف الرئاسة من ضمنها، وقراره هو انتظار ما بعد الحرب لربما يحصل على مكاسب معينة.

وترى مصادر المعارضة أن فرنجية إذا إنتخب رئيساً فسيكون نموذجاً مماثلاً لرئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي عبر تسليفه مواقف مؤيدة لطروح “الحزب” والتماهي معه على صعيد الموقف الرسمي، ما يُعرّض لبنان لمخاطر عدة، ويُبقيه ضمن محور الحروب والفقر والبؤس.

لا شك في أن “حزب الله” وحلفاءه، ومن ضمنهم فرنجية ليسوا في أفضل حال، هم لا يريدون رئاسة إلا وفق مصلحتهم منتظرين ظروفاً أفضل، ومرشحهم فرنجية يلعب في الوقت الضائع بإنتظار عملية مقايضة، إلا أن إنتظار هؤلاء سيطول، لأن ذلك لن يحصل، والظروف الداخلية والخارجية لا تسمح، والنتيجة يدفع ثمنها المواطنون اللبنانيون بسبب الشغور في المؤسسات الرسمية وتآكل الدولة يوماً بعد يوم.

شارك المقال