توزيع أدوار بين “الحزب” وميقاتي… ورسائل إلى اسرائيل!

جورج حايك

لا يمكن أن نعتبر رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي عاجزاً في السياسة، على الرغم من أن الصورة العلنيّة التي يحاول أن يظهر بها توحي بأن لا حول له ولا قوة في ظلّ هيمنة “حزب الله” على القرار السياسي، لكن المعلومات والوقائع تكشف زيف هذه الصورة، لأن ما يفعله ميقاتي مؤخراً يدل على تماهٍ عميق مع “الحزب”، بل توزيع أدوار خطير ضد مصلحة لبنان وشعبه، والتاريخ لن يرحم!

ويلفت صحافي فرنسي مطلع بعمق على الشأن السياسي اللبناني ولا سيما على المفاوضات الديبلوماسية حول تطبيق القرار 1701، إلى أن الديبلوماسيين الأوروبيين دهشوا من إندفاع الممثلين الرسميين للدولة اللبنانية وحماستهم في الدفاع عن موقف “الحزب” والمقايضة التي يسعى إليها ليحقق المكاسب مقابل تنفيذ القرار 1701. ويكشف الصحافي أن خليّة التفاوض الرسمية تألفّت من الرئيسين ميقاتي ونبيه بري ووزير الخارجية عبد الله بو حبيب ونائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب.

في الظاهر، يبدو أن موقف لبنان الرسمي موحّد وقوي، إلا أن هؤلاء الرؤساء والوزراء، وفق الصحافي الفرنسي، يتصرفون كصندوق بريد لـ”الحزب” لا أكثر ولا أقل، اما عن خوف أو عن قناعة. ومهمة الخليّة التفاوضية الرسمية كانت تركّز على إنقاذ “الحزب” من ورطته، إذ يتعرّض لضغط دولي واسرائيلي كبير بهدف تنفيذ القرار 1701، وهو يُدرك أن أي حرب واسعة مع اسرائيل لن تكون لمصلحته، لذلك وجد الوقت مناسباً لتوجيه رسالة إلى اسرائيل عبر كلمة الأمين العام حسن نصر الله، معتبراً أن إمكان التفاوض متاح إذا توقّفت الحرب في غزة، واللافت أن ميقاتي كرّر الكلام نفسه في اليوم التالي، متبنياً كلام نصر الله.

وما لا يعرفه كثيرون لا يتردد الصحافي الفرنسي في كشفه بأن نصر الله لم ينتظر إلى نهاية الحرب لبدء التفاوض مع اسرائيل ولو بطريقة غير مباشرة بواسطة ميقاتي وبري وبو صعب وبو حبيب، وهذا ما جرى مع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل والموفد الأميركي آموس هوكشتاين.

بات معروفاً أن مهمة هوكشتاين كانت نزع فتيل الحرب بين “الحزب” واسرائيل، وهذا ما تحرص عليه الادارة الأميركية، إلا أن جواب “الحزب” كان ضرورة وقف اطلاق النار في غزة لتتوقّف الاشتباكات على الحدود اللبنانية – الاسرائيلية، وهذا ما أعلنه نصر الله وكرّره ميقاتي أمام هوكشتاين، إلا أن الجلسات “الوديّة” بين بو صعب وصديقه هوكشتاين يؤكد الصحافي الفرنسي أنها ذهبت أبعد من ذلك، بحيث جرى الكلام عن خطة أميركية تقضي بترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل وتسوية النقاط الثلاث عشرة التي لا تزال متنازعاً عليها. بل إن هناك شروطاً تقضي بانسحاب إسرائيلي من مزارع شبعا، وهي الأراضي التي تحتلها تل أبيب، والمتنازع عليها بين بيروت ودمشق.

وهنا يأتي التماهي وتوزيع الأدوار بين “الحزب” وميقاتي، وقد وضع الأخير سقفاً شرطاً للتوصّل إلى اتفاق بعودة مزارع شبعا تلك القطعة الصغيرة من الأرض – التي خسرتها سوريا بعد حرب 1967 – “تحت السيادة اللبنانية”.

وفي المقابل، يؤكد الصحافي الفرنسي أن ميقاتي تكلّم بإسم “الحزب”، متعهداً بإنسحابه من المنطقة الواقعة بين الليطاني والحدود، وفقاً لما نص عليه قرار مجلس الأمن إذا جرى الاتفاق على ذلك.

من المؤكّد أن هذا الكلام الذي نقله هوكشتاين إلى الاسرائيليين لم يلقَ استحساناً لديهم، ولسان حال رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو للديبلوماسيين الأميركيين بأنه يجب وضع حد لتهديد “الحزب” فوراً ومن دون شروط!

ولا شك في أن خليّة المفاوضات التي يترأسها ميقاتي بإسم “الحزب” لا تزعج هوكشتاين الذي يميل إلى إتمام الصفقات على طريقة ترسيم الحدود البرية، وهو مطمئن إلى أن “الحزب” براغماتي، وإطلالات نصر الله ورسائله إلى الأميركيين عبر “صندوق البريد” اللبناني الرسمي مشجّعة، إذ إنتقل من التهديد بإبادة إسرائيل وتدمير تل أبيب إلى كلام عن امتناعه عن “استهداف المدنيين” على الجانب الآخر من الحدود، وبدأ يستخدم مصطلحات “المفاوضات” و”الاتفاق” و”الحل” للمرة الأولى.

وأوّل من تنبّه الى خطورة ما يحصل على صعيد تواطؤ حكومة تصريف الأعمال و”حزب الله” هو رئيس “القوات اللبنانية” سمير جعجع الذي اعتبر أن ما ليس مفهوماً أن تقوم الحكومة اللبنانية بتجيير القرار الاستراتيجي، أي العسكري والأمني، إلى “الحزب”، وبالتالي وضعت الشعب اللبناني ومصالح لبنان العليا في مهب رياح المنطقة والصراعات المفتوحة بين أطرافها كافة.

حتماً هي كلمات قليلة لكنها معبّرة عن الواقع السياسي المريب الذي ينتج عن هذا التواطؤ، ويتحدث الصحافي الفرنسي عن تنسيق دائم ويومي بين “الحزب” وميقاتي في كل القضايا، ويلعب مدير الأمن العام السابق عباس إبراهيم وبو صعب دوراً كبيراً في هذا المجال.

ويدعو الصحافي الفرنسي إلى عدم الاستغراب، لأن توزيع الأدوار هذا بين “الحزب” ولبنان الرسمي جرى سابقاً في عملية ترسيم الحدود البحرية، وقد اعتبر نصر الله آنذاك أنه انتصار لحزبه، وهدية مجانية، وهو يتجه إلى فعل ذلك على صعيد ترسيم الحدود البرية، والتباهي أمام بيئته والشعب اللبناني بأن سلاحه حقق هذا الانجاز، وبالتالي يجب الابقاء عليه في إطار استراتيجية الردع وحماية لبنان من أي أطماع اسرائيلية مستقبليّة. ويشير الصحافي الفرنسي إلى أن الكذبة الكبيرة تكمن هنا، فهو لا يفعل ذلك سوى للمحافظة على سلاحه واستمرار هيمنته على القرار الرسمي اللبناني وجعل لبنان ورقة تفاوضية مع المجتمع الدولي لتحقيق مكاسب لإيران في المنطقة.

ويبدو أن ميقاتي ضالع في هذه المؤامرة إلى حد كبير، حتى أنه لم يتردد في إعلان مواقف أكثر خطورة تصبّ في مصلحة “الحزب” في الآونة الأخيرة وخصوصاً عندما ربط لبنان بحرب غزة وكأنها “وحدة مسار ومصير”، ثم قدّم هديّة أخرى له قائلاً: “ان حزب الله يتمتع بعقلانية وحكمة وهو يضع المصلحة اللبنانية فوق أي مصلحة أخرى”، بدلاً من أن يحتذي بما قام به الرئيس فؤاد السنيورة في 12 تموز 2006 حين قال: “نحن كحكومة لبنانية لم نكن على علم بما حصل ولا نؤيده”.

وفي السياق نفسه، لم يكن اللقاء بين ميقاتي والسفيرة الأميركية الجديدة ليزا جونسون مريحاً، وتحدثت مصادر ديبلوماسية عن أنها طرحت الكثير من الاستفسارات والتساؤلات حيال الدوافع التي أملت على ميقاتي ربط تطورات المعركة في جنوب لبنان بالحرب الجارية على غزة، ومطالبته بوقف إطلاق النار في القطاع ليبدأ البحث في وضعية الجنوب، معتبرة أنه بذلك يتموضع إلى جانب “حزب الله”. وهي على ما يبدو أشارت إليه بطريقة ذكية حول ضرورة الاقلاع عن ذلك أو إصدار توضيح!

لكن ميقاتي لم يتجاوب مع فكرة إصدار توضيح، بل ذهب عكس ذلك موضحاً أسباب موقفه وقلقه محاولاً تفسيره من وجهة نظر وطنية. وهو يتجه أكثر إلى الرفع من قدرة تنسيقه مع “الحزب” كمقاومة إلى أعلى درجة، لا سيّما بعد بدء المواجهات في الجنوب، وقد ثمّن “الحزب” موقف ميقاتي من دون التركيز عليه اعلامياً على نحو مفرط، كي يبقى رئيس حكومة تصريف الأعمال جهة صالحة للمفاوضات مع الديبلوماسيين، فلا يضعونه في خانة “الحزب” ويحرقه رسمياً وديبلوماسياً، وهذا ما يُسمى توزيع أدوار.

من جهة أخرى، ترفض “القوات اللبنانية” النهج المتواطئ الذي يعتمده ميقاتي والزمرة الحاكمة تحت إشراف “الحزب”، وتعتبر أن المطلوب أن تكون هناك دولة في لبنان، والعودة إلى اتفاقية الهدنة، والتنفيذ الحرفي للقرار 1701، وتبرير السلاح غير الشرعي مرفوض جملة وتفصيلاً.

وأخطر ما يفعله ميقاتي أنه يتجاهل او يُجهّل أن علة وجود “الحزب” هي السلاح، وأن سلاحه لا علاقة له بلبنان ولا باستراتيجية دفاعية.

تريد “القوات” من رئيس حكومة تصريف الأعمال الفصل التام بين الدولة والدويلة، فلا يجوز أن تتحوّل الشرعية إلى الناطق الرسمي باسم اللاشرعية، والتردّي الكبير الذي أصاب لبنان سببه التسلُّل السرطاني لمشروع الدويلة الى جسم الدولة، الأمر الذي يجب وقف تمدُّده بدءاً بالانتخابات الرئاسية على قاعدة “ما للدولة هو للدولة، وما للدويلة هو للدويلة”، وذلك بانتظار اللحظة والفرصة التي تزول فيها الدويلة لمصلحة الدولة السيدة على أرضها وحدودها.

وما يقلق الدول الحريصة على لبنان واللبنانيين عموماً في كل هذا المشهد أن الرئيس ميقاتي لا يردّ طلباً لـ”الحزب”، فيما المسألة هنا أبعد من مراعاة فلان أو علتان، إنما تتعلّق بأمن لبنان واللبنانيين، فهل يتحمّل الرئيس ميقاتي تبعات ما قد يحصل في البلد من جراء الالتزام بأجندة الحزب الذي فرّغ مؤسسات الدولة، والآن يستخدم ممثلي الدولة كـ”صندوق بريد” لإجراء الصفقات؟

شارك المقال