تطل ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري هذا العام على وقع حرب مصغرة في جنوب لبنان اثر الحرب الاسرائيلية على غزة، ويشبه الكثيرون ما يحصل اليوم في الجنوب بحرب “عناقيد الغضب” عام 1996، التي شنتها اسرائيل تحت عنوان القضاء على “حزب الله” في حينه، إلا أنها كانت حرباً لم تميز بين مدني ومقاتل. وعلى الرغم من اختلاف الظروف إلا أن هناك تشابهاً من ناحية حصر الحرب بالجنوب، ولكن رفيق الحريري ليس بيننا اليوم ليجهد من خلال علاقاته الدولية المميزة سعياً الى وقف الحرب.
ويتذكر اللبنانيون كيف جال الرئيس الشهيد العالم من أجل الوصول إلى وقف الحرب، وأثمرت جهوده في التوصل إلى “تفاهم نيسان” الذي أعلن عنه الرئيس الحريري في القصر الحكومي في بيروت بتاريخ 26 نيسان 1996 بحضور وزير خارجية فرنسا آنذاك، هيرفيه دو شاريت، ووزير خارجية لبنان فارس بويز، فيما كان يُعلن عن ذلك في الوقت نفسه في القدس رئيس وزراء العدو الاسرائيلي آنذاك، شيمون بيريز، بحضور وزير الخارجية الأميركي وارن كريستوفر.
يقول الوزير بويز لموقع “لبنان الكبير”: “إن موقع الرئيس الشهيد وعلاقته المميزة جداً مع الملك السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز، أنتجا حضوراً دولياً كبيراً له، وكانت له علاقات متينة مع الأميركيين، الذين كانوا ينصتون إليه، معتبرين أنه ليس رئيس حكومة لبنان وحسب، بل يتحدث باسم السعودية أيضاً. بالاضافة إلى ذلك كانت له علاقة خاصة ومميزة مع الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك، ومكاتب اتصالات خاصة في دول العالم منفصلة عن سفارات لبنان، كان لديه مكتب خاص في كل دولة، وهذا المكتب يتولاه موظف لديه يتولى التواصل مع قادة هذه الدول، الأمر الذي وضع له مكانة، تؤهله لأن يتكلم مع رئيس أي دولة في العالم أو يلتقيه، من الولايات المتحدة إلى روسيا وفرنسا، وحتى في البرازيل كان لديه مكتب”.
ويشير بويز الى أن الرئيس الشهيد كان يحظى “بقوة هائلة لدى الغرب وغير الغرب، عبر علاقاته ومشاريع أعماله، ففي فرنسا عدا عن علاقته الشخصية بالرئيس جاك شيراك، كانت لديه مؤسسات كبرى، مثل شركة أوجيه التي كانت أكبر شركات الهندسة في فرنسا، وعبر شبكة علاقات متصلة بأعماله جعلت منه نافذاً في هذه الدول”.
ولم يكتفِ الرئيس الحريري في حينه بوقف الحرب، بل تعامل مع تداعياتها، فعدا عن إطلاق ورشة إعادة اعمار هائلة، أطلق هيئة رعاية “أبناء شهداء نيسان 1996″، التي تولت الاشراف عليها شقيقته النائب بهية الحريري، وضمت 89 قاصراً من أبناء شهداء وجرحى المجازر الاسرائيلية في قانا والنبطية، وأودع لهم مبلغاً يكفي لتأمين متطلّبات حياتهم، ومساعدة شهرية إلى حين بلوغ كل منهم سن 22 عاماً، وحينها يقبض تعويضاً تبلغ قيمته 25 ألف دولار.
فضلاً عن ذلك كان للرئيس الشهيد دور بارز في إطلاق الأسرى من سجون الاحتلال الاسرائيلي، بل حرص على إضفاء الصفة الرسمية على عمليات تبادل الأسرى، ففي 25 و26 حزيران عام 1998، استطاع أن يجقوم بوساطة برعاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي، تم بموجبها تبادل أسرى بين العدو الاسرائيلي ولبنان، في اليوم الأول كان التبادل لأشلاء الجنود الاسرائيليين مقابل رفات الشهداء اللبنانيين، الذين بلغ عددهم 40 شهيداً، منهم 3 للحزب “الشيوعي”، 9 لحركة “أمل”، و40 لـ “حزب الله” من بينهم رفات ابن الأمين العام للحزب السيد هادي نصر الله. وكان في استقبال النعوش التي وصلت عبر طائرة فرنسية، الرئيس الحريري نفسه بالاضافة إلى ممثلين عن القوى السياسية.
بعد ذلك، كان الموعد مع الأسرى الأحياء، الذين بلغ عددهم 60، وانطلقت قافلة الأسرى المحررين عبر معبر كفرفالوس برعاية الجيش اللبناني، ووصلت إلى دارة الرئيس الحريري في مجدليون، حيث أعد لهم استقبال مميز.
بعد أقل من 3 أشهر، في الثالث من أيلول، نجح الرئيس الحريري بجهوده وبالوساطة مع فرنسا، في إطلاق سهى بشارة، التي كانت حاولت اغتيال قائد “جيش لبنان الجنوبي” العميل أنطوان لحد في العام 1988. ونقلت بشارة من معتقل الخيام إلى السراي الحكومي في بيروت حيث استقبلها الرئيس الشهيد استقبال الأبطال.
وفي العام 2004، نجحت جهود الرئيس الحريري بوساطة ألمانيا في اتمام صفقة تبادل بين “حزب الله” واسرائيل، أطلق بموجبها 462 أسيراً لبنانياً وفلسطينياً وعربياً، في مقدمهم القياديان في “حزب الله” الشيخ عبد الكريم عبيد ومصطفى الديراني، كما تمت استعادة رفات 59 مواطناً لبنانياً، والكشف عن مصير 24 مفقوداً لبنانياً، وتسلم لبنان خرائط الألغام في جنوب لبنان والبقاع الغربي.
كما أفرج بموجب هذه الصفقة عن 431 فلسطينيّاً من الضفة الغربية وقطاع غزّة، و60 معتقلاً إدارياً ممَّنْ شارفت محكوميّاتهم على الانتهاء.
في المقابل، أفرج “حزب الله” عن الضابط المتقاعد في جيش الاحتلال الاسرائيلي إلحنان تننباوم، ورفات 3 جنود.
وخلال وصول الأسرى المحرّرين إلى المطار، كان الرئيس الحريري يقف بين الرئيس نبيه بري والسيد حسن نصر الله في استقبال رسمي وشعبي.
أما اليوم فلبنان يعيش الحرب بغياب الحريرية عن المشهد، ويؤكد بويز أن “لا أحد يستطيع أن ينكر أن الرئيس سعد الحريري هو الزعيم السني الأول في لبنان، وعلى الرغم من غيابه، لا يزال الأقوى، ولم يستطع أحد أخذ مكانه. وانطلاقاً من أن لبنان بلد توازنات دقيقة، عندما يغيب فيه تمثيل طائفة أساسية، ينعكس هذا الأمر عليه، ويتعرض لخلل، وهذا ما يشكو منه لبنان حالياً، خلل في عملية التمثيل السني بغياب الرئيس الحريري، وهو وحده من يستطيع ملء هذا الفراغ، فإن أي قرار وكل تفاهم إن كان في رئاسة الجمهورية أو غيرها، يمنع تسوية داخلية متوازنة ذات مصداقية”.
ويعتبر بويز أن “الرئيس سعد الحريري لا يمتلك القوة نفسها التي كان يملكها والده في العلاقات الدولية، والأعمال التي كانت لوالده في الدول، ولكن بقي العطف الكبير على شخص الرئيس رفيق الحريري والمدرسة الحريرية، وهناك إقرار من العالم بزعامة سعد الحريري كالممثل الأول للسنة”.
مما لا شك فيه أن لبنان بخسارة الرئيس رفيق الحريري، خسر كل قوته الدولية التي كان يستخدمها ضد العدو الاسرائيلي، واليوم بتعليق نجله الرئيس سعد الحريري عمله السياسي، يشكو البلد من خلل في التوازنات الداخلية، بالاضافة إلى الديبلوماسية الحريرية التي لها مكانة لدى العديد من دول القرار، فهل تشهد ذكرى 14 شباط هذه السنة، عودة الرئيس الحريري إلى العمل السياسي؟ بالتأكيد جمهوره يطالبه بذلك ويبقى القرار رهن تقديره.

