لمن كل هذا السلاح الآتي من تركيا الى لبنان؟
سؤال مطروح على نطاق واسع من دون أن يلقى أي جواب ناجع، لا من الأجهزة الأمنية ولا من السلطات القضائية، باستثناء كلام عابر عن “تاجر سلاح يحظى بغطاء سياسي”.
لكن الجواب المنطقي، في حسابات المتتبعين لأحوال لبنان وتركيبته المتشعبة، يرجح أن يكون هذا السلاح، وهو كناية عن مسدسات وبنادق خفيفة، من حصة فئة لا تملك السلاح، وتحديداً فئة تدور في فلك الممانعة مباشرة أو ربما تكون طرفاً ينزل الى الساحة غب الطلب.
ويضيف هؤلاء ان الفلسطينيين في كل المخيمات يملكون من السلاح ما يكفيهم للقتال أشهراً عدة، وكذلك الأمر بالنسبة الى حلفاء “حزب الله” وحركة “أمل”، سواء كانوا من “الجماعة الاسلامية” أو المنظمات الأصولية وفي مقدمها “حماس” و”الجهاد الاسلامي”، اضافة الى الأحزاب اليسارية.
ويميل هؤلاء الى أن شحنة الأسلحة التي ضبطت صدفة في منطقة البترون، لا تشبه تلك التي ضبطت في منطقة الكحالة قبل أشهر لا من حيث النوعية ولا من حيث الكمية، ما يعني أن لا علاقة لها بالحرب الدائرة في الجنوب، ولا بأي حرب قد تقع في المخيمات الفلسطينية على غرار ما حصل في “عين الحلوة”.
انها، يقول المتتبعون، قد تكون موجهة الى أفراد أو خلايا في المخيمات السورية التي بدأت تتحول الى معسكرات معبأة وجاهزة للدفاع عن وجودها الشرعي وغير الشرعي في مواجهة الحملة التي يتعرض لها السوريون في أكثر من مكان وتحديداً في المناطق ذات الغالبية المسيحية.
ويستند هؤلاء الى أن هذا النوع من السلاح يشكل “توازن قوة” مع من يتعرض لهم ويوفر نوعاً من قوة ردع تمنحهم ما يحتاجون اليه من وقت للتأكد من تحقيق أمور مصيرية ثلاثة:
– استكمال عملية التجذر في الأراضي اللبنانية بدعم شبه مطلق من المجتمع الدولي أولاً، ومن لامبالاة عربية ثانياً، ومن تنكر شبه دائم من النظام الحاكم في دمشق ثالثاً، ومن تراخٍ رسمي لبناني فاضح رابعاً.
– التحول الى رقم صعب في التركيبة اللبنانية بحيث يصبحون مواطنين بحكم عامل الزمن أولاً، وعامل التكاثر ثانياً، وعامل اليد العاملة ثالثاً.
– التحول الى ما يشبه “النواة” الفلسطينية التي انطلقت في ستينيات القرن الماضي لتتحول الى جيش مدجج بالسلاح والى أذرع عسكرية فاعلة في اطار الحرب الباردة التي كانت دائرة في تلك المرحلة بين المعسكرين الغربي والشيوعي، وهي الحرب التي نشهدها تدريجاً اليوم بين المعسكر الغربي- الاسرائيلي والمعسكر الايراني- الشرقي والمعسكر الايراني- التركي والمعسكر الايراني- العربي .
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم، من يمكن أن يستخدم السوريين في المستقبل في وقت تخلوا عن القتال ضد الرئيس بشار الأسد لا بل عن أرزاقهم ومنازلهم حتى في المناطق الآمنة لا بل حتى عن هويتهم وانتمائهم الوطني؟
والسؤال الآخر، من يمكن أن يهددهم أو يتعرض لهم بالقتل، ما داموا لا يزعجون محور الممانعة لا من قريب ولا من بعيد، وهو المحور الوحيد القادر عسكرياً على لجمهم وردعهم وترهيبهم لا بل طردهم والقضاء على أي معارض ناشط على غرار ما طاول عدداً منهم في فترات سابقة سواء من خلال تصفيتهم أو تسليمهم الى جلاديهم في سوريا؟
وأكثر من ذلك، لا يمكن للرئيس الأسد أن يتعرض لهم بالسوء لثلاثة أسباب رئيسة: الأول أنهم في لبنان تحولوا الى ناخبين موالين له سواء عن اقتناع أو عن خوف، والثاني أنهم تحولوا ورقة رابحة سواء للضغط على المعارضة اللبنانية أو على المجتمعين الدولي والأميركي اللذين يثقلانه بالعقوبات، والثالث أن بقاءهم في لبنان يساعده على استكمال الوجه الآخر لسوريا، أي سوريا العلوية- الشيعية التي تحيا اذا اكتمل الهلال الايراني الممتد من طهران الى البحر المتوسط، وقد تصمد وفق خريطة جديدة للمنطقة اذا تعثر لسبب ما كما صمدت في محطات سابقة.
ونعود هنا الى السؤال الأول، لمن هذا السلاح إن لم يكن للسوريين الذين بدأت فئات شبابية منهم في الفترة الأخيرة تشكل خلايا مستنفرة في الكثير من المناطق، ومستعدة للمواجهة والقتال ضد من يطعن في شرعيتها، أو من يعترض على تصرفاتها التي باتت تشبه تصرفات “عشائر” لا دولة تلجمها ولا حدود تضبطها ولا قوانين ترعاها ولا قضاء يحاسبها؟
والواقع أن أكثر من يسهم في هذه الفورة الخطيرة هو المجتمع الدولي وتحديداً الاتحاد الأوروبي الذي يبدو مستعداً لاحراق لبنان والشرق الأوسط كله كي يمنع سفينة مهاجرين سوريين واحدة من الرسو عند شواطئه.
والواقع أيضاً أن الغرب ومعه العالم العربي يرتكبان الخطأ نفسه الذي ارتكباه في ستينيات القرن الماضي عندما ظنوا أن توطين الفلسطينيين في لبنان يطوي ملف “الوطن السليب” قبل أن يصطدموا بالمسيحيين ويغرقوا هذا البلد في حرب انتهت في الشوارع وتكومت في النفوس.
والواقع أيضاً وأيضاً، أن ثمة أجواء واحتقانات توحي بأن لبنان يتجه تدريجاً نحو حرب أهلية جديدة، ولا سيما بين السوريين والمسيحيين الذين بدأوا يتحسسون رقاب وجودهم في البلاد، في وقت لا يجرؤ “حزب الله”، العالق في حرب بلا أفق مع إسرائيل، على تفجير حرب شيعية- سنية، أو حرب مع سوريين يعتبرهم من أنصار النظام، ولا يقدم السنة على إشعال حرب سنية- سنية هم الذين دفعوا الأثمان الكبيرة منذ نشوء ايران الاسلامية وتداعيات “الحادي عشر من أيلول” وتقلبات الربيع العربي.
وليس المقصود هنا تصوير المسيحيين وكأنهم بنادق لبنانية وتصوير المسلمين وكأنهم بنادق اقليمية، بل المقصود أن لبنان يدفع ثمن الصراعات الشيعية- السنية التاريخية أولاً، وثمن الصراع العربي- الاسرائيلي ثانياً، وثمن الصراع الغربي- الايراني ثالثاً، وثمن الصراع الغربي- الروسي- الصيني رابعاً، وهي كلها صراعات لها ما ومن يخدمها داخل الفسيفساء اللبنانية المتشعبة والمعقدة.
ومرة جديدة نعود الى السؤال الأول، لمن هذا السلاح هذه المرة؟
في المرة الأولى ثمة من حرّك منظمة “فتح الاسلام” في مخيم نهر البارد لتكوين تيار سني أصولي داخل محور الممانعة المعزول سنياً في لبنان، وهذه المرة ثمة مخاوف من احتمال وجود طرف يحاول تسليح السنة السوريين والانطلاق بهم نحو اقامة دولة سنية على سواحل البحر الأبيض المتوسط غير مرتبطة بايران الشيعية، بل ربما بتركيا السنية التي يحاول سلطانها الجديد استنساخ ما فقده السلاطين القدامى في الشرق أو في الغرب وسواء عبر القوة أو عبر التكاثر لا فرق.
المهم بالنسبة الى “الاخوان المسلمين”، وهو منهم، أن يحكموا العالم على طريقتهم ، حتى لو جاء ذلك على حساب المسلمين الآخرين، فهل يكون لبنان مولودهم البكر، أم تحكم الأقدار بواحد من ثلاثة أمور: سقوط بشار الأسد في دمشق، سحب “سوريا الصغرى” من لبنان الكبير وهزيمة “حماس” في غزة وانكفاء ايران الى المقاعد الخلفية؟


