تراجع لبنان عن “الجنائية الدولية”… تخوف من فتح الباب لكل الجرائم؟

محمد شمس الدين
قضاء

تراجع لبنان عن قراره السماح للمحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في جرائم حرب مزعومة على أراضيه، بعدما كانت حكومة تصريف الأعمال صوّتت في نيسان الماضي على توجيه وزارة الخارجية لتقديم إقرار يسمح للمحكمة بالتحقيق في “مزاعم” ارتكاب جرائم الحرب على الأراضي اللبنانية منذ السابع من تشرين الأول وإجراء محاكمات بهذا الخصوص، إلا أن وزير الخارجية عبد الله بو حبيب، لم يقدم الإقرار المطلوب إطلاقاً، ونشرت الحكومة الثلاثاء قراراً معدلاً لم يأتِ على ذكر المحكمة الجنائية الدولية، وجاء فيه أن لبنان سيتقدم بشكاوى إلى الأمم المتحدة بدلاً من ذلك.

ومنذ اندلاع الحرب في 7 تشرين الأول، واشتعال المعركة جنوباً، وتبادل القصف بين المقاومة واسرائيل، وصل عدد المدنيين الذين قتلوا إلى 61، بالاضافة إلى 3 اعلاميين.

ورأى الباحث في شؤون لبنان في منظمة “هيومن رايتس ووتش” رمزي قيس في حديث لموقع “لبنان الكبير” أن “من المخزي تراجع الحكومة اللبنانية عن قرارها بالسماح للجنائية الدولية بالتحقيق في جرائم حرب ارتكبت على الأراضي اللبنانية منذ 7 تشرين الأول، فالقرار كان سيعبّد الطريق للمحاسبة والعدل لضحايا جرائم الحرب التي ارتكبت في الجنوب، والتراجع عن هذا القرار يعني أن دعوات المسؤولين اللبنانيين الى العدالة جوفاء، بينما هم ليسوا مستعدين لاتخاذ الخطوات لتأمين العدل للضحايا”.

مصادر حكومية نفت أن يكون القرار هو التراجع عن تقديم الطلب للجنائية الدولية، موضحة أن “ما جرى هو إعادة النظر في تقديم الملف كما هو، اذ كانت هناك فكرة بتقديم طلب يشمل كل الضحايا، وفكرة أخرى بأن يكون الطلب محصوراً في البداية بقضية الشهيد الصحافي عصام عبد الله، وذلك لأن ملفه كامل، بينما شمل الضحايا الآخرين معه كان مجرد طرح”، كاشفة أن الموضوع لم ينتهِ بعد، فالحكومة بانتظار عودة وزير الخارجية من أجل مناقشة الأمر معه.

في المقابل، أكدت مصادر حقوقية أن لبنان لطالما رفض التوجه إلى العدل الدولي، وذلك لاعتبار أطراف لبنانية أنه “لن يكون عادلاً، وفي أفضل الأحوال سيساوي بين المعتدي والضحية”، ولطالما تم العدول عن الاستعانة بالقضاء الدولي بأي شكل من الأشكال كون ليس هناك توافق حوله، حتى في ملفات أقسى المجازر التي ارتكبتها اسرائيل في حق لبنان، إن كان في أيام الاحتلال في التسعينيات، أو في حرب تموز.

وقالت المصادر: “للأسف في لبنان يجب الوقوف على خاطر الجميع، علماً أن العدل الدولي كان سيشكل دفعاً كبيراً باتجاه تحقيق العدالة للضحايا الذين قتلتهم اسرائيل في اعتداءاتها، وها قد رأينا كيف صدرت مذكرات توقيف بحق قادة اسرائيل، وعلى الرغم من صدور مذكرات بحق قادة حماس، هذا الأمر يشكل إدانة كبيرة لاسرائيل، ففي النهاية حماس مجرد تنظيم، أما (بنيامين) نتنياهو وفق المجتمع الدولي فهو رئيس دولة وبالتالي المسؤولية عليه أكبر بكثير من قيادي في تنظيم مسلح، بغض النظر عن الرأي بهذا التنظيم إن كان سلبياً أم إيجابياً، فيحيى السنوار مثلاً لن يلقي خطاباً في الأمم المتحدة، ولن يسافر إلى دول العالم، أما نتنياهو فيمكن للدول الأعضاء في الجنائية الدولية أن تنفذ مذكرة الاعتقال بحقه، وهذا ما أعلنته دولة النروج فور صدور قرار المحكمة”.

وكان وزير خارجية النروج إسبن بارث إيدي قال إن “المحكمة هي من تقرر إصدار مذكرة الاعتقال. وإذا حدث هذا فإن كل الدول الموقعة (على نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة) عليها أن تستجيب لذلك”.

إلا أن أوساطاً حقوقية اعتبرت في حديث لـ “لبنان الكبير” أن التراجع مرده ليس الى خلفية الحرب مع اسرائيل وحسب، بل هو “تخوف من تسجيل سابقة تفتح الباب أمام جرائم حرب عديدة ارتكبت على الأراضي اللبنانية، وقد تطال زعماء ما زالوا في السلطة في لبنان، وهذا أمر تجمع على رفضه غالبية القوى السياسية والأحزاب في لبنان”.

شارك المقال