عود على بدء… تحولت قضية متعلقة بالأمن الغذائي للبنانيين إلى بازار طائفي، فبعد اكتشاف 100 طن من الطحين الفاسد في مستودع مخابز wooden bakery في منطقة زحلة، والذي تسبب في ضجة كبيرة في الرأي العام اللبناني، لوحظت أمس حملة من نوع “هذا الفرن لهذه الطائفة”، وبدأت منشورات لناشطين تتحدث عن مؤامرة.
وقد اعتاد اللبنانيون الحمايات الطائفية للمرتكبين في لبنان، حيث تشن الحملات قبل أن يحصل تحقيق قضائي، بل قد تتطرق مرجعية روحية الى الملف، وتعتبر أن ما يحصل هو استهداف لطائفتها، وتوجه سهامها الى طائفة أخرى تحاول التصويب عليها.
واشتهر لبنان بلفلفة القضايا بعد ارتفاع صوت الصرخة الطائفية، من ملف الانترنت غير الشرعي، إلى قضية الفيول المغشوش، إلى فضيحة أدوية السرطان المزورة، بالاضافة إلى معظم الفضائح الغذائية التي يكشف عنها، كلها تدخل في أدراج القضاء اللبناني، ثم تختفي، بل يستمر أصحابها في القيام بأعمالهم بصورة طبيعية، كأن شيئاً لم يكن.
الأسوأ من كل ذلك هو الجرائم المباشرة، فقد أصبح القضاء الفرنسي فاسداً لمجرد أنه أدان رجل دين لبنانياً بالتحرش، بينما حمته مرجعيته الروحية في لبنان. وقام رجل دين من طائفة أخرى بما سمّاها ثورة في البقاع في التسعينيات، وعلى الرغم من تعرضه للجيش والدولة والمواطنين، مُنعت ملاحقته قانونياً، للحفاظ على هيبة مزعومة لرجال دين هذه الطائفة، علماً أن زعماءها على خلاف كبير مع الرجل “الثورجي”.
عشرات إن لم يكن المئات من الموظفين في الدولة، كشفت ملفات فساد عنهم، إلا أن معظمهم لم يخضع للمحاسبة، لأن كل موظف محمي بمرجعية روحية، والأسوأ القاعدة الشعبية لطائفته التي تتضامن معه فقط لأنه ابن الطائفة، لا يهم ما هي جريمته، حتى لو كان يعرّض أبناء طائفته للخطر، فالانتماء الاثني فوق كل اعتبار. وكانت أحكام الاعدام في لبنان سابقاً مدعاة للسخرية، بحيث لا يمكن للقضاء أن يحكم على مجرم بالاعدام إلا إن حكم بالمثل على مجرم من الطائفة الأخرى، ومن حسن الحظ أن الأمم المتحدة ترفض أحكام الاعدام كي لا تبقى هذه المهزلة.
ومن ينسى حملة الأمن الغذائي التي وصلت الى أوجها في عهد الوزير السابق وائل أبو فاعور، عشرات محاضر الضبط بحق مخالفين للشروط الصحية، من ملاحم ومعامل ومطاعم، غالبيتها لا تزال نائمة في أدراج القصر العدلي، بينما تنشط التدخلات السياسية للملمة القضايا، وكل سياسي نيابة عن ابن طائفته.
ولعل أشهر أشكال التخلف الطائفي هو ما حصل إبان عهد رئيس الجمهورية السابق ميشال عون، عندما رفض إقرار توظيف الناجحين في الوظائف عبر مجلس الخدمة المدنية بسبب اختلال التوازن الطائفي، وقالت كريمته في حينه، إنه يجب على كل مسلم أن يجد مسيحياً يقدم معه على الوظيفة! وهذا أمر لا يحصل إلا في لبنان، بل يتميز به.
كما تكونوا يولّى عليكم، لا تمتلك المرجعيات الروحية السلطة، بل الناس هم من أعطوها إياها، وبالتالي المشكلة هي من الناس أنفسهم، الذين على الرغم من تعرضهم لسرقة العصر، ومن كل ما يصيبهم، لا يزالون ينتفضون من أجل ابن الطائفة، والحكام يعرفون ذلك جيداً، ومحترفون في استغلال هذا الأمر للبقاء في السلطة، في ظل أسوأ أزمات التاريخ التي يعيشها البلد.


