قد تثير لقاءات المسؤولين الألمان مع مسؤولي “حزب الله” الاستغراب لدى البعض، إن كان لجهة تواصل عاصمة الاتحاد الأوروبي مع تنظيم مصنّف “ارهابياً” في بلادها، أو لجهة أن برلين تلاحق عناصر الحزب في أراضيها وقد حكمت على اثنين بتهمة الانتماء إليه الشهر الماضي بأحكام تراوحت بين 3 و5 سنوات، عدا عن إغلاقها مؤسسات للحزب في الأعوام الأخيرة.
ألمانيا تاريخياً
في أعقاب نهاية الحرب الباردة وبعد سقوط جدار برلين، وإنشاء الاتحاد الأوروبي ظهرت ألمانيا كقوة أوروبية مؤثرة قادرة على خلق توازن بين الاتحاد والشرق الأوسط، لا سيما أنها لم تأخذ صفة المستعمر في دوله، وأعلنت موقفاً حوارياً متعاوناً مع دول جنوب المتوسط من دون استثناء. وبدأت عام 2002 بتركيز جهودها على خلق جسور تفاهم بينها وبين دول المتوسط، فنتج في شباط مؤتمر عن العلاقات العربية – الألمانية، في القاهرة، ثم مؤتمر للحوار بين أوروبا والعالم الاسلامي في تشرين الأول من العام نفسه، وبعدها مؤتمر مع تركيا ودول الشرق الأوسط والصين عام 2003، واتبعت نهج ترجيح السياسة الحوارية على القوة العسكرية.
العلاقة مع “حزب الله”
أباحت ألمانيا لـ “حزب الله” العمل السياسي على أراضيها بحرّية، فاستطاع إنشاء خلايا له وممارسة الحركة السياسية، وحتى تنظيم “يوم القدس” كل عام في برلين، رافعاً راياته، اذ ان الدولة الألمانية رفضت إدراج الجناح السياسي للحزب على لائحة الإرهاب على الرغم من قرار أوروبا عام 2013، وقاوم الحزب الحاكم بزعامة أنجيلا ميركل في حينه كل الضغوط الخارجية والداخلية لتصنيف الحزب بالإرهاب.
واستمر ذلك حتى العام 2020، حين قررت السلطات الألمانية حظر “حزب الله” على أراضيها، مصنّفة إياه “منظمة إرهابية”. ونفذت مداهمات لتوقيف أشخاص يشتبه بانتمائهم الى الحزب، وداهمت الشرطة مقرات أربع جمعيات تدير مساجد في دورتموند ومونستر في ولاية نورد راين فستفاليا غرب البلاد وفي بريمن وبرلين، يشتبه بأنها على صلة بالحزب، وصدرت تقارير تقدر أن ما يصل إلى 1050 شخصاً في ألمانيا أعضاء فيه.
يذكر أن الحزب فاوض اسرائيل بوساطة ألمانية لعمليات تبادل أسرى، أولها كان عام 1999، وتلتها صفقات في الأعوام 2003 و2004 و2008. وبعد حرب تموز وعلى إثر القرار 1701، سيّرت ألمانيا دوريات بحرية في المياه الاقليمية اللبنانية وفقاً للاتفاق. ومعلوم أن التبرع الألماني للقيام بهذه الخطوة كان جزءاً من تسهيل الوصول إلى الاتفاق.
بعد الطوفان
تسعى ألمانيا كما غالبية الدول الغربية الى منع توسع الحرب على لبنان، ولهذه الغاية بدأت بايفاد مسؤوليها إلى بيروت، فالتقت وزيرة خارجيتها أنالينا بيربوك رئيس مجلس النواب نبيه بري، أما لقاء مخابراتها مع “حزب الله”، فهو أمر ليس بالغريب، كون اللقاءات والاتصالات المستمرة بين مسؤول الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا والأجهزة الغربية لا سيما ألمانيا معروفة، ولقاء نائب رئيس المخابرات الألمانية بنائب الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، ليس إلا جزءاً من الجهود الألمانية لتجنب الحرب، تحديداً أن برلين لا تتحدث مع الحزب بلغة تهديدية بل تعتمد على وساطاتها السابقة معه لمحاولة الحصول على رؤية قد تنهي التوتر على الحدود.


