تحظى المسيرات بشهرة واسعة في الحروب اليوم، لدرجة أن الحروب المعاصرة سُميت بـ “حروب المسيرات”، من حرب اسرائيل ومحور الممانعة، إلى أذربيجان وناغورني كاراباخ، إلى أكثر الحروب استعمالاً للمسيرات في العالم اليوم الحرب الروسية – الأوكرانية، التي كشف تقرير لـ “الفايننشال تايمز” أنه بعد اندلاعها، ارتفع عدد الشركات المصنعة للطائرات المسيرة في أوكرانيا من 6 إلى أكثر من 200.
وفي حين أن تطوير برامج الأسلحة التقليدية يستغرق سنوات، وأحياناً عقوداً، ويتطلب ميزانيات حكومية كبيرة، فضلاً عن مراكز بحث واختبار كبيرة، لا يحتاج تطوير المسيرات وصناعتها إلى الكثير من الأموال ولا إلى عمالة كبيرة، وبالطبع لا يتطلب مصانع شاسعة، كما هو الحال مع صناعة الدفاع التقليدية.
يعود استعمال المسيرات إلى الحرب العالمية الأولى، حيث ظهرت أول طائرة من دون طيار في المملكة المتحدة عام 1917، ثم طُورت عام 1924.
ومنذ الحرب العالمية الأولى (1914-1917)، كانت الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا والمملكة المتحدة، أولى الدول استخداماً لها في جيوشها، ثم لحق بها الاتحاد السوفياتي في ثلاثينيات القرن الماضي.
وأتاحت الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، والحرب الكورية (1950-1953)، المجال لاستخدامها من الولايات المتحدة في الأغراض التدريبية. كما استخدمت كصواريخ موجهة في تلك الحرب، وفي التصدي للطائرات الحربية المأهولة بالطيارين.
كانت الواحدة منها تُستخدم في كل غرض من تلك الأغراض مرة واحدة، لذلك أنتجت منها نحو 15000 طائرة عبر مصنع يقع جنوبي كاليفورنيا.
برز دور المسيرات في المجال الاستخباري بعد حرب فيتنام (1955-1975). وزودت لأول مرة بالصواريخ في الهجوم على كوسوفو عام 1999.
ودخل الشرق الأوسط سباق التسلح في الطائرات المسيرة، وحققت تركيا حالة نجاح في هذا الأمر، بحيث دفع الخلاف بين أنقرة وتل أبيب عام 2000، الرئيس رجب طيب أردوغان إلى الحث على الاعتماد الذاتي بالمسيرات، وذلك لاستبدال المسيرة الاسرائيلية “هيرون”، وفي فترة أقل من 10 سنوات انتقلت تركيا من مستورد لهذه الطائرات إلى أحد كبار المصدرين، إذ صمّمت مصانعها قرابة 130 نموذجاً مختلفاً من بينها “بيرقدار تي بي 2″، التي لعبت دوراً تجاوز حدود البلد، حيث وصلت إلى ليبيا وأذربيجان والمغرب وأخيرا أوكرانياً.
وسارت الدول الخليجية في المسار نفسه، بل أصبحت تدمج المسيرات مع تطوير برامج الذكاء الاصطناعي.
أما ايران فقد ذاع صيت مسيراتها الانتحارية بعدما استخدمتها روسيا ضد أوكرانيا، وكذلك بعد توجيه ضربة إلى اسرائيل رداً على قصف قنصليتها في سوريا.
وفي لبنان يستخدم “حزب الله” عدة أنواع من المسيرات، بعضها يطوّر محلياً، وآخر يأخذه من ايران.
ويعد الجيش الاسرائيلي رائداً في مجال المسيرات، بحيث اشتهر باستخدامها في حروبه في المنطقة، لا سيما في غزة وسوريا ولبنان.
ولكن لكل عصر سلاحه الفتاك، فهل يستمر عصر المسيرات؟
كشفت كوريا عن برنامجها “حرب النجوم” بداية الشهر الجاري، وهو عبارة عن أسلحة ليزر تسقط المسيرات خلال تحليقها عن طريق حرق المحركات أو المعدات الكهربائية الأخرى فيها بأشعة ضوئية لمدة 10 إلى 20 ثانية.
وفي آذار الماضي، كشفت بريطانيا عن سلاح الليزر DragonFire، الذي يمكنه تفجير الطائرات المسيرة والصواريخ النووية التي تفوق سرعتها سرعة الصوت مقابل 10 جنيهات إسترلينية فقط للطلقة.
وعام 2023 في معرض “جوهاي” الجوي (وهو المعرض التجاري العالمي الوحيد للطيران والفضاء الذي أقرّته حكومة الصين، بدعم من الصناعات الجوية الصينية) عرض نظام الدفاع بالليزر “إل دابليو 30” (LW-30)، وهو سلاح “قاتل للطائرات المُسيَّرة” محمول على مركبات طوِّرت من “مجموعة سانجيانغ الفضائية الصينية”.
وتعمل الولايات المتحدة منذ زمن على تطوير أنظمة ليزر ضد المسيرات مثل “دي إم- شورد” (De M-Shorad) وLOCUST، بالاضافة إلى عملها على تزويد جيشها بأنظمة تشويش ورصد للمسيرات، مثل Modi وDronebuster وSmart Shooter وBal Chatri.
كل هذه التحضرات تشي بأن العصر المقبل في الحروب سيكون لليزر، إلا أن ذلك لا يعني أن عصر المسيرات سينتهي قريباً، على الأقل حتى تصل الدول الى تقنيات رصد متطورة، كون المسيرات تستطيع مراوغة الراردات وأجهزة الرصد الحديثة حتى الآن، وذلك عبر التحليق على علو منخفض، وتعاني القوى العسكرية تحديداً مع المسيرات صغيرة الحجم أو ما يعرف بالـ “كواد كوبتر” التي يصعب رصدها بصورة كبيرة.


