بين حربيْ تموز والاسناد… أيهما أصعب؟

محمد شمس الدين
قصف على الجنوب

البلد في حالة حرب، لا يهم إنها ضمن قواعد اشتباك معينة، إلا أنها حرب، وهذا أمر مفروغ منه، لكنها ليست كحرب تموز 2006، ولا حرب “عناقيد الغضب” 1996، بل هي حرب من نوع جديد، لم يعتدها لبنان من قبل، حرب اقتناص، وضربات محددة، وليست حرب اشتباك ومعارك برية وجوية وبحرية، ويمكن القول إنها حرب اسناد واستنزاف وتشتيت.

لم تخض المقاومة في لبنان هذا النوع من الحروب من قبل، اذ لا يمكنها شن ضربات مدمرة على اسرائيل، بل عليها أن تستهدف مواقع محددة بدقة، وهذا صعب مع امتلاك اسرائيل أكثر أنظمة الدفاع الجوي تقدماً في العالم، إلا أن المقاومة استطاعت تجاوزها عبر استهداف أجهزة الاستشعار والتجسس في بداية الحرب، ولكن لهذا السبب لا يمكن حساب القوة التدميرية التي تستعملها، أو بالأحرى التي لا تستعملها، فهي استهدافات دقيقة هدفها التشويه أكثر من القتل.

في حرب تموز 2006، استطاعت المقاومة ضرب صورة الجيش الذي لا يقهر، أمطرت مستوطناته بالصواريخ وأنهت أسطورة “الميركافا”، وحتى البوارج البحرية لم تسلم منها، ولكن في هذه الحرب لم تحقق انجازات ضخمة مثل حرب تموز، علماً أن الاستهدافات التي تقوم بها في عمق الأراضي المحتلة ليست بالأمر القليل، ولكنها ليست تدميرية، وهذا سببه أن الحرب ليست بمعادلات عام 2006 نفسها، اليوم المقاومة لا تريد الحرب، وبالتالي هي مضطرة إلى ضبط هجماتها، وهذا قد يخفف من قوتها التدميرية، أما اسرائيل فلم تضبط نفسها يوماً، في أي حرب ولا في أي مكان، منذ تأسيس الكيان، وبالتالي هي تظهر بكل قوتها التدميرية.

وهنا يبرز السؤال أي حرب هي الأصعب، تموز أم الاسناد؟

في حرب تموز كان الدمار في كل مناطق البيئة الحاضنة مهولاً، وعدد الضحايا تخطى الألف، ولكن في المقابل استطاعت المقاومة إحداث دمار هائل في المستوطنات الاسرائيلية، عدا عن الخسائر البشرية التي مني بها الجيش الاسرائيلي إثر توغله في الأراضي اللبنانية، بالاضافة إلى انهاء أسطورة “الميركافا” فعلياً.

ولطالما تمتعت اسرائيل بسيطرة جوية إن كان عبر طائراتها الحربية أو مسيراتها، وهذا ما حصل في حرب تموز، أما اليوم فقد أًصبح للمقاومة مسيراتها أيضاً، وتقوم بهجمات في العمق الاسرائيلي.

أما من الناحية الاجتماعية، فقد تكون حرب تموز أقل صعوبة من حرب اليوم، لأن الحرب كانت قائمة بصورة كاملة، ما يعني أن المدنيين أخلوا مناطق الخطر، وكان بامكانهم ترك أشغالهم وأرزاقهم، أما اليوم، فيمكن في أي لحظة أن تقصف أي منطقة أو أي مكان، وتكون الذريعة استهداف عناصر المقاومة أو بنى تحتية لها، والمدنيون لا يمكنهم أن يخلوا بيوتهم، أو التوجه الى أماكن بعيدة عن المناطق المعرضة للاستهداف، فالوظائف والأعمال مستمرة بصورة طبيعية.

والمشكلة الكبيرة اليوم هي الخوف من الغدر، فقد يكون المواطن في عمله وعقله مع عائلته ومحبيه قلقاً من أن يطالهم قصف اسرائيلي.

وبالتالي يمكن القول إن حرب اليوم من أصعب الحروب التي مرت على لبنان منذ التسعينيات، سمتها الأساسية هي الغدر، ولا يمكن الاختباء وتعطيل الأعمال والحياة، على الرغم من أن عدد الضحايا والدمار أقل من الحروب السابقة.

شارك المقال