حقق الاقتصاد السعودي تحولاً جذرياً في السنوات الأخيرة، مدفوعاً برؤية طموحة تهدف إلى تنويع الاقتصاد والحد من الاعتماد على النفط. فقد نجحت المملكة في تحقيق نمو اقتصادي قوي ومتنوع، بحيث ساهمت الاصلاحات الاقتصادية الجريئة في زيادة الاستثمار وتنويع مصادر الدخل. كما شهد سوق العمل تحسناً ملحوظاً بانخفاض معدلات البطالة وزيادة مشاركة المرأة في القوى العاملة.
وفي هذا السياق، أكد صندوق النقد الدولي نجاح السعودية في تسريع وتيرة التحول الاقتصادي، وذلك بفضل إعادة توجيه الإنفاق الاستثماري نحو مشاريع استراتيجية تخدم أهداف رؤية 2030، مشيراً إلى أن المملكة لم تتأثر بصورة كبيرة بالأحداث الجيوسياسية الأخيرة.
وبحسب البيان الذي صدر عقب اختتام المجلس التنفيذي للصندوق بتاريخ 31 تموز 2024 مشاورات المادة الرابعة لعام 2023 مع المملكة، فقد شهد الاقتصاد السعودي عام 2023 نمواً غير مسبوق في القطاعات غير النفطية، بحيث ارتفع الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي بنسبة 3.8 في المئة، مدفوعاً بزيادة الاستهلاك والاستثمارات. وعلى الرغم من انكماش النمو الكلي بنسبة 0.8 في المئة بسبب خفض إنتاج النفط، إلا أن المملكة حققت أدنى معدل بطالة في تاريخها وتجاوزت هدفها المتمثل في رفع نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة إلى 30 في المئة.
كما شهدت المملكة تباطؤاً حاداً في معدل التضخم، بحيث تراجع من ذروته عند 3.4 في المئة في كانون الثاني 2023 إلى 1.6 في المئة في أيار 2024، نتيجة تقوية العملة المحلية. وعلى الرغم من تراجع فائض الحساب الجاري، إلا أن الاقتصاد السعودي حافظ على مرونة كبيرة بسبب ارتفاع في إيرادات الخدمات، لا سيما السياحة. وقد ساهم ذلك في الحفاظ على مستوى مرتفع للاحتياطيات الدولية، والتي تغطي أكثر من 15 شهراً من الواردات، ما يعكس قوة الاقتصاد وقدرته على مواجهة التحديات.
وهنا لا بد من الاشارة إلى أن المملكة ودعماً للسياحة، قررت إلغاء رسوم إصدار تراخيص الأنشطة التجارية للفنادق والشقق الفندقية والمنتجعات السكنية في البلاد كأحد مبادرات الممكنات الاستثمارية في قطاع السياحة التي أطلقت في آذار الماضي بهدف تسهيل الاستثمار في السياحة السعودية، وتماشياً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 لجعلها من أبرز الوجهات السياحية عالمياً.
كما توقع صندوق النقد أن يشهد الاقتصاد السعودي انتعاشاً قوياً على المدى المتوسط، مدفوعاً بزيادة الطلب المحلي وتسارع وتيرة المشاريع التنموية. وسيؤدي الإلغاء التدريجي لتخفيضات إنتاج النفط إلى تعزيز النمو بصورة ملحوظة، ليصل إلى 4.7 في المئة في العام 2025. كذلك من المتوقع أن يستقر النمو بعد ذلك عند مستوى متوسط يبلغ 3.7 في المئة سنوياً. وتشير التوقعات إلى أن التضخم سيبقى تحت السيطرة بفضل السياسة النقدية الحذرة والالتزام بربط العملة بالدولار الأميركي.
وأشاد المديرون التنفيذيون في المجلس التنفيذي للصندوق بالتحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة، مثمنين الجهود المستمرة نحو تنويع الأنشطة الاقتصادية وفقاً لرؤية 2030. ورحبوا بقوة النشاط الاقتصادي غير النفطي، واستقرار معدلات التضخم، والتراجع القياسي في معدلات البطالة، ووفرة الهوامش الوقائية المالية والخارجية. كما نوهوا بنجاح المملكة في إعادة معايرة الإنفاق الاستثماري، وأكدوا أهمية تعزيز الحوكمة وتحسين بيئة الأعمال من خلال التحول الرقمي، وزيادة كفاءة الاستثمارات، وتعميق إصلاحات سوق العمل لزيادة مشاركة المرأة في القوى العاملة.
كذلك رحب المدراء بنتائج تقييم استقرار القطاع المالي، مشيرين إلى قوة النظام المصرفي وقدرته على الصمود في مواجهة الصدمات. وأثنوا على التزام المملكة بتخفيض صافي الانبعاثات إلى الصفر بحلول العام 2060، مع تسليط الضوء على التقدم المحرز في مجالي الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة.
وأشاد تقرير صندوق النقد الدولي بالخطوات الثابتة التي تتخذها السعودية نحو تحقيق أهداف رؤية 2030. وتشدد هذه النتائج الايجابية على نجاح الجهود المبذولة لتنويع الاقتصاد وخلق فرص عمل وتحسين مستوى المعيشة. كما تعكس هذه الإنجازات قدرة المملكة على التصدي للتحديات الاقتصادية العالمية والمحلية، وتؤكد جاذبية بيئتها الاستثمارية التي تشجع على استكشاف فرص واعدة في قطاعات حيوية مثل السياحة والقطاعات المستقبلية.


