ثماني رهائن قامت مخابرات الجيش بتحريرهم صباح أمس الأربعاء في عملية دهم، بعد أسبوع على اختطافهم من عصابة ادعت تهريبهم إلى إيطاليا، وعقب عدّة وقفات احتجاجية نفذها ذووهم في المخيمات من أجل الضغط على السلطات المعنية للتحرّك.
“إذا بدك ابنك ما يموت، بتبعت المصاري”، هي الجملة الأخيرة التي قالها السمسار بلكنته البقاعية صباح الأحد الماضي لأبو خالد الذي يسكن مخيم برج البراجنة منذ عشرات السنين.
لم يتخيل أبو خالد اللاجئ الفلسطيني الذي ولد في لبنان، أن أحداً سيساومه في يوم من الأيام على حياة إبنه يسر البالغ من العمر 24 عاماً، والذي أراد له حياة كريمة خارج حدود المخيم.
بدأت قصة يسر دغيم، مثله مثل معظم الشبان الذين يبحث ليل نهار عن مستقبل أفضل خارج البلد الذي دخل في حالة موت سريري منذ الأزمة الاقتصادية التي قضت على أحلام الشاب اللبناني، فكيف إذا كان من جنسية أخرى، ويتم التعامل معه بشيء من العنصرية؟
يقول أبو خالد لموقع “لبنان الكبير”: “أخبرني صديقي أنه يعرف سمساراً، يستطيع أن يوصلهم إلى إيطاليا، بمبلغ 7500 دولار أميركي عن طريق البحر في طرابلس”.
وبحسب أبو خالد، الأحوال أصبحت ضيقة جداً، فكان مستعداً لاقتراض المبلغ من أجل تأمين حياة ابنه الوحيد، وعلى قوله “الله بيسر”، إلاّ أنه اشترط على صديقه الذي عرّفه على السمسار، وأراد أيضاً أن يفر الى “النعيم الوهمي” مع زوجته وأولاده الثلاثة، عدم دفع قرش، قبل أن يتأكد من وصول ابنه بخير إلى إيطاليا. وفعلاً هذا ما حصل، ووافق المهرّب على الشرط، بأن يرسل مقطعاً مصوراً ليسر فور وصوله إلى الأراضي الايطالية، وفي ضوئه يعطي أبو خالد المبلغ المتفق عليه للوسيط.
انطلق يسر، صباح الأربعاء، مع صديق والده وزوجته وأولادهما الثلاثة، وشابين آخرين، نحو السفارة الكويتية حيث كان “الفان” بإنتظارهم، وانطلقوا.
تواصل يسر مع والده بعد ساعات وأخبره أنه وصل إلى طرابلس وأنهم يقومون بالاجراءات قبل الانطلاق إلى وجهتهم في البحر. وأثناء الانتظار التقط يسر صورة للسائق وأرسلها الى والده ليطمئنه أن كل شيء على ما يرام.
ويشير أبو خالد، الى أن تسجيلاً صوتياً من ابنه يسر وصله نهار السبت يقول فيه انه وصل الى ايطاليا، وعليه أن يسلم المبلغ المتفق عليه للوسيط كما جرى الاتفاق، إلاّ أن أبو خالد رفض ذلك وطلب من السمسار تصوير يسر ليتأكد أنه وصل فعلاً، لكن الأخير رفض.
عاود السمسار الاتصال بأبو خالد وأخبره أنه يجب أن يرسل له المبلغ عبر الـ OMT على ثلاث دفعات، وقام بإرسال صور لعدّة هويات تظهر الإسم فقط ليرسل المال، وفعلاً قام أبو خالد بتحويل 7500 دولار أميركي، الى أسماء لبنانية.
يؤكد أبو خالد، أن رسالة وصلته صباح الأحد من السمسار تقول: “إذا بدك ابنك يرجع، ادفع 20 ألف دولار”، في هذه الأثناء شعر أنه سيغمى عليه من شدّة الصدمة، وبعد ساعات وصلته ثلاثة مقاطع مصوّرة لإبنه وهو يتعرّض للضرب والتعذيب، لم يشاهد سوى ثوانٍ منها، لأنه لم يحتمل سماع صوت صراخه وهو منبطح على الأرض ويتعرّض للجلد.
توسل أبو خالد السمسار والأشخاص الذين كانوا معه، بأنه لا يملك هذا المبلغ، ولكن من دون جدوى، ليعاود السمسار في اليوم التالي إخباره، أنه إذا أراد أن يبقى ابنه على قيد الحياة فعليه أن يقوم بإرسال المبلغ.
تواصل أبو خالد وأهالي المخطوفين الآخرين مع الأجهزة الأمنية، والنيابة العامة، والأحزاب والفصائل الفلسطينية. “ما خلينا حدا”، يقول أبو خالد، حتى أننا تواصلنا مع السفارة الفلسطينية التي أخذت الموضوع على عاتقها أيضاً، وقام بعض الأشخاص بالتفاوض مع العصابة التي خفّضت المبلغ المطلوب إلى ما دون النصف.
وقبل أن يستدين أبو خالد المبلغ، تبلّغ أن المخابرات أطلقت سراح المخطوفين، وتوجهت بهم إلى مبنى وزارة الدفاع من أجل أخذ افاداتهم.
يسر والأشخاص الآخرون، لن يكونوا الطعم الأخير الذي يسقط في شباك المهربين، الذين نشط عملهم بعد الأزمة الاقتصادية، وتحديداً عقب إنفجار مرفأ بيروت بحسب مصدر أمني، مشيراً لموقع “لبنان الكبير” إلى أن المهربين لديهم علاقات قوية في الداخل السوري، تسهّل تنقلهم عبر المعابر غير الشرعية، وهذه العمليات تحوّلت إلى قضايا اتجار بالبشر ولم تعد تقتصر على التهريب فقط.
ويوضح المصدر، أن الجيش يقوم بدوره على الحدود، ولكن يجب توعية الأشخاص حول المخاطر التي يجلبونها لأنفسهم وقد تكلفهم حياتهم، فمهما ضاقت بهم سبل العيش، اللجوء إلى العصابات لن يكون الحلّ، ومراكب الموت ستعيدهم بالأكفان، هذا في حال تم العثور على جثثهم.
ويؤكد المصدر، أن المبالغ التي يطلبها المهربون تصل إلى حدّ 18 ألف دولار وذلك بحسب الدولة التي يريد الأشخاص الوصول اليها. ويضيف: “رأس العصابة يكون لبناني الجنسية، أمّا السماسرة الذين يؤمنون الزبون فهم من جنسيات أخرى، سورية، فلسطينية أو غيرها، ومرتبطون بعصابة خارجية تمتد على صعيد الدول كافة”. ويذكر بأن المهربين باتوا يتنقلون في وضح النهار، وبسيارات النقل العام و”على عينك يا تاجر”.


