“رؤية 2030” تدفع الاقتصاد السعودي للأمام وتعزز التصنيف الإئتماني

هدى علاء الدين

تُعيد “رؤية 2030” رسم ملامح الاقتصاد السعودي، بحيث تسعى إلى تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط. وتشمل هذه الرؤية مجموعة من المبادرات الطموحة التي تستهدف تحفيز الطلب المحلي، وخصوصاً من خلال مشاريع البنية التحتية والسياحة. ومن المتوقع أن يساهم هذا التحول في تعزيز النمو الاقتصادي غير النفطي على المدى المتوسط. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الرؤية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة المملكة على رفع إنتاجية القوى العاملة.

وفي هذا الاطار، أشارت وكالة “ستاندرد آند بورز” للتصنيف الإئتماني إلى أن المملكة تُجري تحولاً اقتصادياً غير مسبوق، بحيث تشهد البلاد فترة غير مسبوقة من الإصلاحات تهدف إلى تنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على الهيدروكربونات. وخلال السنوات القليلة القادمة، ستواصل هذه الإصلاحات رفع مؤشرات الطلب المحلي وسيتحقق هذا الانتعاش بصورة رئيسية عبر المشاريع التنموية في إطار “رؤية 2030”.

ورفعت الوكالة نظرتها المستقبلية للمملكة إلى “إيجابية” بدلاً من “مستقرة”، مشيرةً إلى توقعاتها بنمو قوي في القطاع غير النفطي وقوة متانة الاقتصاد السعودي. كما أكدت تصنيفها الائتماني للمملكة عند مستوى”A/A-1”.

كما توقعت استمرار نمو الناتج المحلي الاجمالي للمملكة خلال الفترة 2024-2027، بناءً على الزيادة الملحوظة في الاستثمارات بالقطاع غير النفطي، وارتفاع معدلات الاستهلاك. وأشارت إلى أن المملكة يتوقع أن تظهر على المدى الطويل كاقتصاد أكثر تنوعاً، ما سيوفر المزيد من فرص العمل للشباب. 

ارتفاع الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي

شهد الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي نمواً كبيراً في السنوات العشر الماضية، متفوقاً على الزيادة في قطاع النفط. وقادت قطاعات التجزئة والحكومة والتمويل هذا النمو. وعلى الرغم من بعض التحديات الناجمة عن تخفيضات إنتاج النفط الأخيرة، فإن المؤشرات تشير إلى أداء قوي للناتج المحلي الاجمالي غير النفطي في وقت لاحق من هذا العام.

وتشير الأرقام الحالية إلى وجود إمكانات كبيرة لزيادة استهلاك الأسر، وبالتالي زيادة حصة القطاع غير النفطي في الاقتصاد. ويعكس انخفاض حصة استهلاك الأسر في الناتج المحلي الاجمالي الدور الحاسم الذي يلعبه قطاع النفط في الاقتصاد، والذي لا يزال يمثل بصورة مباشرة أكثر من 30 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي في أوائل العام 2024. بالاضافة إلى ذلك، فإن الحصة الصغيرة من إنفاق الأسر على الأنشطة الترفيهية (7-8 في المئة من إجمالي الإنفاق)، والائتمان الأسري المنخفض نسبياً (أقل من 30 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي)، وضعف نمو الأجور الحقيقية (على الرغم من أن هذا بدأ يتحسن مؤخراً بفضل إصلاحات رؤية 2030) هي أيضاً عوامل مساهمة.

مشاريع “رؤية 2030” تعزز الاستهلاك

تسعى الحكومة السعودية، في إطار “رؤية 2030″، إلى تنفيذ سلسلة من المبادرات الرامية إلى تعزيز الاستهلاك المحلي والسياحة وتنويع الاقتصاد. وبالتالي، فإن الوكالة تتوقع أن يستمر نمو استهلاك الأسر والطلب المحلي في التفوق على المكونات الأخرى للناتج المحلي الاجمالي.

وتتضمن “رؤية 2030” مشاريع ضخمة مثل “نيوم”، و”القدية”، و”العلا”، و”المنطقة التاريخية” في جدة، و”مشروع البحر الأحمر”، والتي تتوقع الحكومة أن تعزز الإنفاق على السياحة والترفيه.

ولتحفيز الإنفاق الاستهلاكي، أطلقت الحكومة السعودية برنامج “جودة الحياة”، الذي يركز على تطوير قطاعات الترفيه والثقافة والرياضة من خلال إنشاء دور سينما جديدة ومتنزهات ترفيهية ومتاحف ومرافق رياضية. وستوفر كل هذه المشاريع للسكان فرصاً أكبر لإنفاق دخلهم المتاح. وبالاضافة إلى ذلك، أعلنت الحكومة عن هدفها المتمثل في زيادة حصة الإنفاق الأسري على الترفيه إلى 6.0 في المئة بحلول العام 2030، مقارنة بنحو 2.9 في المئة حالياً.

ومن المرجح أن تؤدي الإصلاحات الاجتماعية إلى زيادة الدخل المتاح وبالتالي الاستهلاك. على سبيل المثال، أحد أهداف “رؤية 2030” هو زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل إلى 30 في المئة من 18 في المئة (تتجاوز حالياً 35 في المئة). ومن المرجح أن تؤدي معدلات المشاركة الأعلى في العمالة إلى رفع الدخل المتاح للأسر، ما سيؤدي بدوره إلى تعزيز الاستهلاك.

وتشهد السياحة أيضاً ارتفاعاً ملحوظاً، بحيث ارتفع أعداد السياح (المحليين والدوليين) على مدى السنوات القليلة الماضية. وتخطط الحكومة لزيادة العدد الاجمالي للزوار إلى 150 مليوناً بحلول العام 2030. وبحسب الوكالة، سيؤدي تقديم التأشيرات الالكترونية وإكمال المشاريع الضخمة إلى زيادة أعداد الوافدين الدوليين، الذين يمثلون عادة نسبة أعلى من إجمالي الإنفاق السياحي.

ومن المتوقع أيضاً أن تؤدي جهود البناء المرتبطة بالمشاريع الكبرى والمشاريع الضخمة إلى تعزيز الطلب المحلي. وتتجاوز التكلفة الاجمالية المقدرة للمشاريع الضخمة في إطار “رؤية 2030” تريليون دولار (بما في ذلك مشروع نيوم، الذي يمثل ما يقرب من نصف هذا المبلغ) وتمثل ما يقرب من 90 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي للمملكة. كما أن بناء المشاريع الضخمة والتكاليف المرتبطة بها (نيوم) سوف تكون من المحركات الرئيسية للنمو على مدى السنوات الخمس المقبلة، على الرغم من أن تأثيرها على الناتج المحلي الاجمالي سيكون محدوداً جزئياً بسبب الزيادة المقابلة في واردات مواد البناء والاعتماد على الموردين الخارجيين.

مشاريع ضخمة تقود النمو المحلي

توقعت الوكالة أن يكون النمو في الطلب المحلي بحلول العام 2030، مدفوعاً بصورة أساسية بالمشاريع الضخمة وتكاليف البناء والاستثمارات المرتبطة بها. وتوقعت أيضاً زيادة كبيرة في إنفاق الأسر، بسبب النمو المتوقع في الدخل المتاح بين المواطنين السعوديين والمبادرات الحكومية لزيادة الإنفاق على الترفيه والسياحة.

ومع الالتزام بجدول زمني طموح لتنفيذ مشاريع “رؤية “2030، وتوقع تعافي إنتاج النفط تدريجياً، تتوقع “ستاندرد آند بورز” أن يشهد الاقتصاد السعودي تحولاً ملحوظاً. فبحلول العام 2030، من المتوقع أن تتراجع مساهمة قطاع النفط في الناتج المحلي الاجمالي إلى ما بين 24 في المئة و26 في المئة، مقارنة بـ 35 في المئة في العام 2017. ويعكس هذا الانخفاض نجاح جهود التنويع الاقتصادي، بحيث من المتوقع أن تساهم مشاريع عملاقة مثل “نيوم” بصورة كبيرة في هذا التحول. وحتى في حالة تقليص ميزانية “نيوم”، ستظل المملكة قادرة على تحقيق أهدافها في تقليص الاعتماد على النفط، ما يجعلها تتماشى مع دول منتجة للنفط أخرى مثل النرويج.

تظل “رؤية 2030” مثالاً ملهماً لكيفية استخدام الاصلاحات الجريئة والابتكار لإعادة توجيه مسار الاقتصاد نحو مستقبل مستدام ومزدهر. ومن خلال التركيز على التنوع الاقتصادي والابتعاد عن الاعتماد التقليدي على النفط، تسعى المملكة إلى بناء اقتصاد أكثر مرونة وقادر على التكيف مع التغيرات العالمية.

شارك المقال