تحت شعار “نحلم ونحقق”، تحتفل المملكة العربية السعودية بيومها الوطني الـ 94 مع دخولها مرحلة جديدة من التحول الاقتصادي والاجتماعي، بحيث تجسد “رؤية 2030” الحلم السعودي في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة والابتكار والنمو وبناء اقتصاد مزدهر ومجتمع متماسك قادر على المنافسة في عالمٍ يتسم بالتغير المستمر. وبفضل التوجيهات الطموحة التي وضعتها القيادة السعودية، تسير المملكة بثقة نحو تحقيق هذا الهدف، وتحويل شعار “نحلم ونحقق” إلى واقع ملموس يحمل في طياته مستقبلاً مشرقاً لكل مواطن سعودي اليوم وغداً.
ويأتي اليوم الوطني هذا العام شاهداً على الإنجازات العظيمة والتحولات النوعية الفريدة، بحيث سجلت المملكة إنجازات مذهلة في مختلف المجالات، مؤكدة قدرتها على مواجهة التحديات وتحقيق الطموحات. وفي مسيرة حافلة بالتحديات والإنجازات، ومنذ تأسيسها على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وحتى اليوم، تطورت المملكة لتصبح لاعباً رئيسياً على الساحة العالمية، ليس في المجالات السياسية والدينية فحسب، بل أيضاً في المجالات الاقتصادية والتنموية.
“رؤية 2030” الحلم بالتحول الاقتصادي
تمثل “رؤية 2030” نقلة نوعية في مسيرة التنمية في المملكة، ترسم ملامح مستقبل واعد. انطلقت هذه الرؤية الطموحة برؤية ثاقبة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لوضع حجر الأساس لتحول اقتصادي شامل، يهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار. وعلى الرغم من الدور المحوري الذي لعبه النفط في نهضة المملكة، فإن “رؤية 2030” تهدف إلى بناء اقتصاد مستدام ومتنوع، يقلل من المخاطر المرتبطة بتقلبات أسعار النفط ويضمن مستقبلاً مزدهراً للأجيال القادمة. فقد أكدت الأرقام الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء تحقيق نمو قوي في الاقتصاد السعودي غير النفطي خلال الربع الثاني، بحيث سجل نمواً بنسبة 4.9 في المئة في الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي.
كما ترتكز “رؤية 2030” على مجموعة متكاملة من المحاور الاستراتيجية، تهدف إلى تحقيق تحول شامل في مختلف القطاعات. فمن خلال تنمية القطاع الخاص الذي أصبح مساهماً قوياً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 40 في المئة وتعزيز الشراكات الدولية، وتطوير قطاع السياحة والترفيه، وتحفيز الابتكار وريادة الأعمال، تسعى المملكة إلى تجاوز التحديات وتحقيق طموحاتها في بناء اقتصاد عالمي تنافسي.
الاقتصاد غير النفطي ركيزة التنمية المستدامة
طموحات المملكة تتجاوز حدود الاقتصاد النفطي، بحيث تسعى “رؤية 2030” إلى بناء اقتصاد متنوع ومزدهر. وفي هذا السياق، يمثل قطاع السياحة ركيزة أساسية لتحقيق هذه الأهداف. ومن خلال استهداف جذب 100 مليون زيارة سنوياً بحلول العام 2030، الذي سيوفر نحو مليون فرصة عمل جديدة، وسيساهم بنحو 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، تسعى المملكة إلى خلق فرص عمل جديدة وتحفيز النمو الاقتصادي، وتحويل المملكة إلى وجهة سياحية عالمية تجذب الزوار من جميع أنحاء العالم. وبحسب تقرير لصندوق النقد الدولي، ارتفعت مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى 11.5 في المئة في العام 2023، مع توقعات بتجاوزها 16 في المئة بحلول العام 2034. وفي مؤشر يعكس جودة المحتوى الترفيهي، أعلنت الهيئة العامة للترفيه في شباط 2024 أن عدد الزوار في الفعاليات والأنشطة الترفيهية خلال العام الماضي بلغ أكثر من 72 مليون زائر.
كما لعبت الصناعة دوراً رئيسياً في استراتيجية التنويع الاقتصادي، بحيث شهد قطاع الصناعات التحويلية نمواً ملحوظاً بفضل الاستثمارات في البنية التحتية الصناعية، وزيادة الإنتاج المحلي، وتحفيز الصادرات. ولم تقتصر هذه التحولات على الصناعات التقليدية فحسب، بل امتدت أيضاً إلى الصناعات الحديثة مثل التكنولوجيا والطاقة المتجددة، اذ يعتبر الاستثمار في هذه المجالات ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة التي تستهدفها “رؤية 2030”.
وتواصل الصناعات التحويلية غير النفطية في السعودية توسعها، مدفوعةً برؤية اقتصادية تركز على تنمية الكوادر الوطنية وتوفير فرص عمل نوعية. فبالاضافة إلى مساهمتها في النمو الاقتصادي، يساهم هذا القطاع في تطوير المهارات التقنية لدى الشباب السعودي، وتعزيز مكانة المملكة كمركز صناعي إقليمي. ومن المتوقع أن تصل قيمتها المضافة إلى 85 مليار دولار في العام 2024، بنسبة نمو تبلغ 2.8 في المئة. وتشير التقديرات إلى أن قيمة الإنتاج قد تتجاوز 133 مليار دولار، ما يعكس ديناميكية هذا القطاع الحيوي وأهميته في تنويع مصادر الدخل وتحقيق رؤية المملكة.
التكنولوجيا والابتكار محركات المستقبل
أدركت المملكة أن الاقتصادات العالمية الحديثة تُبنى على المعرفة والتكنولوجيا، وليس على الموارد الطبيعية فقط. ومن هذا المنطلق، تم إطلاق العديد من المبادرات الهادفة إلى تحويل السعودية إلى مركز تكنولوجي إقليمي ودولي.
ومن أبرز هذه المبادرات مشروع “نيوم”، الذي يُعد واحداً من أضخم المشاريع في العالم، بحيث يعتبر مختبراً عالمياً للابتكار والتكنولوجيا، إذ سيتم تطبيق أحدث الحلول التقنية في مجالات الطاقة، والنقل، والصحة، والتعليم. كما ستشهد المدينة ظهور تقنيات جديدة مثل السيارات ذاتية القيادة، والطائرات من دون طيار، والذكاء الاصطناعي، ما سيغير نمط الحياة بصورة جذرية.
بالاضافة إلى “نيوم”، يتم التركيز على تطوير البنية التحتية الرقمية، بحيث تم توسيع شبكات الاتصالات والانترنت، وتعزيز الأمن السيبراني، وتسهيل الاجراءات الحكومية الالكترونية. ويُعزز هذا التوجه نحو الرقمية من قدرة السعودية على المنافسة في الاقتصاد العالمي، ويُعتبر خطوة مهمة نحو تحقيق أهداف “رؤية 2030”.
وفي هذا الاطار، حققت السعودية إنجازاً جديداً يضاف إلى سجل إنجازاتها، بحيث تصدرت قائمة الدول العربية وحلت في المراكز الأولى عالمياً في مؤشر الأمم المتحدة لتطور الحكومة الالكترونية. وجاء هذا الانجاز بعد صعود بـ 25 مرتبة ليعكس التزام المملكة بتحقيق التحول الرقمي الشامل. كما تفوقت خصوصاً في مؤشر الخدمات الرقمية، بحيث حلت في المركز الرابع عالمياً، كما احتلت مدينة الرياض المركز الثالث عالمياً في مؤشر الخدمات الالكترونية المحلية من بين 193 مدينة حول العالم.
الموارد البشرية العنصر الحاسم في تحقيق الرؤية
على الرغم من الأهمية الكبيرة للمشاريع الاقتصادية والتكنولوجية، يظل العنصر البشري المحرك الرئيسي لتحقيق التحول الاقتصادي والاجتماعي. ولذلك، تركز “رؤية 2030” بصورة كبيرة على تطوير رأس المال البشري من خلال تحسين التعليم، وزيادة فرص التدريب، وتحفيز الشباب على الابتكار وريادة الأعمال. وتعد فئة الشباب القوة الدافعة التي ستتحمل مسؤولية تحقيق هذه الرؤية. وسجلت البطالة بين المواطنين والمواطنات أدنى مستوى تاريخي لها في الربع الأول من العام 2024، بحيث بلغت 7.6 في المئة، بعد أن كانت 12.8 في المئة في العام 2017.
كما وضعت الحكومة السعودية خططاً لزيادة نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل، ما يعزز استغلال الطاقات المتاحة في المجتمع كافة ويخلق اقتصاداً أكثر شمولية وعدالة. وتسعى المملكة إلى رفع نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة من 22 في المئة إلى 30 في المئة بحلول العام 2030، وهو هدف طموح يهدف إلى تمكين المرأة وتعزيز دورها المحوري في التنمية.
وتوقعت وكالة “ستاندرد آند بورز غلوبال” للتصنيفات الائتمانية أن تعزز زيادة معدل مشاركة المرأة في القوى العاملة في السعودية من فرص النمو الاقتصادي. وأشارت في أحدث تقاريرها إلى أن إصلاحات سوق العمل أدت الى ارتفاع معدل مشاركة القوى العاملة النسائية في المملكة إلى حوالي 36 في المئة في 2022 مقارنة مع 19 في المئة في 2016.
وأشارت الوكالة إلى أن معدل مشاركة القوى العاملة في النمو اذا استمر بالوتيرة الحالية خلال السنوات العشر المقبلة، تُقدر المجموعة الاقتصادية في “ستاندرد آند بورز غلوبال” أن حجم الاقتصاد السعودي قد يصل إلى 39 مليار دولار، أو يزيد بنسبة 3.5 في المئة مقارنة بالسيناريو الافتراضي لنمو (2000-2022) لمعدل مشاركة القوى العاملة تاريخياً.
إنجازات ليست مجرد أرقام
حققت المملكة العربية السعودية تقدماً ملحوظاً في مؤشر التنافسية العالمي، بحيث جاءت في المرتبة 16 من بين 64 دولة، والثالثة بين دول مجموعة العشرين. ويتجلى هذا الإنجاز بوضوح في عدد من المحاور الرئيسية، اذ حققت المملكة المركز الثالث في محور الأداء الاقتصادي، والثالث عشر في محور كفاءة الأعمال، والحادي عشر في محور كفاءة الحكومة. كما شهدت قفزة نوعية في مؤشر البنية التحتية، بحيث وصلت إلى المركز 34 عالمياً. وفي ضوء هذه المؤشرات الواعدة، تتوقع المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، أن يواصل الاقتصاد السعودي نموه القوي، محققاً ثاني أعلى معدل نمو بين دول مجموعة العشرين خلال الأعوام المقبلة، بما يتجاوز 6 في المئة سنوياً.
تأتي هذه الإنجازات المميزة تتويجاً لجهود حثيثة، تزامناً مع احتفالات المملكة باليوم الوطني، لتؤكد للعالم أن هذه الإنجازات ليست مجرد أرقام، بل هي ثمرة رؤية طموحة تسعى إلى بناء مستقبل واعد واقتصاد رائد.


