مع هول الصدمة التي تلف ضاحية بيروت الجنوبية ولبنان وامتدادات إقليمية ودولية جراء اغتيال الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصر الله بـ 200 طن من المتفجرات التي قصفتها f35 على الضاحية، فإن تريث الحزب وارتباكه مردهما الى تبليغ الجمهور واختيار الخلف.
وبقيت عمليات الحزب الاسنادية العسكرية والسياسية والاعلامية في روتينها المعهود كدلالة على أبعاده المؤسساتية على الرغم من الخسارات الكبيرة والمؤلمة، مع تأكيد المستوى الأمني للمستوى السياسي في اسرائيل أن التوصل الى هدنة في غزة الآن يحافظ على الانجازات الاستراتيجية في لبنان والتي اكتفت تل أبيب في غزة بالتكتيكية منها لعجزها عن إعادة الأسرى لدى “حماس” بالضغط العسكري والنيل من يحيى السنوار ومحمد الضيف ورفاقهما وترسانة الأنفاق التي تفشلها “حماس” بالعودة السريعة الى ملء الفراغات مع استمرار المخاطر المحيطة بغزة.
هذا الاعلان برأي الأمن الاسرائيلي يمكّن من فصل الجبهتين الفلسطينية واللبنانية ويستفرد بنيامين نتنياهو بالضاحية للضغط من أجل استكمال إنجازاته الاستراتيجية بإعادة مستوطني الشمال وربما إعادة تجربة الحزام الأمني لما بعد الليطاني خدمة لمشروعة الإبراهيمي لكن هذه المرة من البوابة اللبنانية المستعصية.
طرحت حرب الاسناد لغزة التي خاضها “حزب الله” العديد من الأسئلة التي تتدحرج من عدم واقعية الحزب في قراءة المرحلة وعدم استجابته للمبادرات، الى حقيقة المواقف الايرانية وتحوّل سياسة طهران الخارجية بصورة دراماتيكية بدءاً من اغتيال قاسم سليماني وخلية القنصلية الايرانية في دمشق واغتيال صالح العاروري واسماعيل هنية، مروراً بتصريحات المرشد خامنئي حول مشروعية التراجعات التكتيكية أمام العدو، الى توازي مواقف الرئيس مسعود بزشكيان في نيويورك حول الأخوة الأميركية الايرانية واسترسال طهران في حمل غصن الزيتون مدفوعة بنهج جديد للدولة العميقة بعرابها وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف بدوافع تنصيب السيد مجتبى خلفاً للمرشد، وقد اعتلت صحته بما يفضي الى استقرار ايراني برعاية غربية بثمن مدفوع في كل من بيروت اتضحت مؤشراته في ضاحيتها الجنوبية، فيما بغداد وصنعاء تعدان للعشرة وقد سبقتهما دمشق في التحول التدريجي نحو المسار التطبيعي برعاية روسية وتشجيع تركي.
في الوقت الذي نجحت فيه “حماس” وأخواتها في استخلاص العبر من معاركها وحروبها السابقة مع اسرائيل، وتمنعت بانفاقها في وجه اسرائيل نسبياً في المجال الاستخباري البشري والتقني والتكنولوجي باستهداف قياداتها وترساناتها، نجحت تل أبيب في الضاحية والجنوب والبقاع في تحديد أهدافها واصطيادها للقيادات والكوادر السياسية والعسكرية والأمنية بصورة مفاجئة، وقد استخلصت دروس عدوانها في “عناقيد الغضب” عام 2006 عبر لجنة “فينوغراد” وأسقطتها في حربها الحالية لا سيما في المجال الاستخباري، وقد انكشف “حزب الله” أمامها بفعل تدخله في سوريا والاقليم وانغماسه في المشادات الداخلية اللبنانية.
في محور المقاومة هناك من يجادل في أطروحة جلد الذات وعدم انتهاء الحرب حتى لو نجحت اسرائيل في إغتيال السيد نصر الله بمفاعيله الرمزية المدمرة للبيئة الحاضنة، كما فكرة المقاومة المعاصرة والاسلام السياسي وقياداته من الصف الأول وكذا تمكنها من اغتيال العاروري في الضاحية ومن بعده هنية في طهران، وهي قد فعلت ذلك مع سلفه السيد عباس الموسوي والشيخ أحمد ياسين وغيرهما فخرجت كلا المقاومتين الى قدرة ورحابة أكثر امتداداً وتأثيراً.
العجز الايراني الحالي سواء كان حقيقة أو مفتعلاً سيثير المزيد من الأسئلة النقدية في محور المقاومة ويفضي الى خلاصات ربما مختلفة.
يذهب الباحث في الحضارة والفكر الاسلامي الدكتور بدران بن لحسن الى القول: “الدم المسلم مستباح عند عدونا الوجودي، ولكنا ما زلنا نعيش معارك تاريخية وشحن ايديولوجي، سرعان ما يذهب بنا جميعاً. والدول الوظيفية تستغل الطائفية لمصالح براغماتية بغيضة، ولا يهمها المقاومة ولا فلسطين ولا لبنان إلا بمقدار ما تقدمه من أوراق تفاوض؛ إما للملف النووي وإما للتطبيع، والعار على الدول التي كانت تهدد وترعد بأنها ستمسح الكيان في دقائق، ثم تعرض المقاومة للمتاجرة من أجل أمنها القومي الخاص. أما المقاومة في غزة أو لبنان فانه لا يتوقع منها أن تكون بقوة دول، ولكن المتوقع منها الصمود واستمرار المقاومة والتصالح مع محيطها الحاضن لها وفك الارتباط مع المطبعين وكذلك مع رافعي شعارات المقاومة للمتاجرة بها، وتعتمد على الله ثم على نفسها”.


