لم يشبع “ملك اسرائيل” بنيامين نتنياهو من الدماء اللبنانية بعد، وكأنه يسعى الى رد الاعتبار لكيانه عن هجوم ٧ تشرين الأول 2023 من لبنان و”حزب الله”، فعلى الرغم من اغتياله رأس الحزب ومعظم قياداته العليا، يستمر في الايعاز الى جيشه باكمال الغارات على لبنان لملاحقة بقية القيادات، مستعيناً بكتاب التوراة، غير آبه بعدد المدنيين الذين يقتلهم في سبيل تحقيق أهدافه، رافعاً ورقة الاجتياح البري للجنوب، ومجاهراً بتحطيم “حماس” في غزة وضرب “حزب الله” في لبنان، والحوثيين في اليمن.
أما لبنان فلم يستوعب الصدمة بعد، ويعمل على وقف إطلاق النار عبر الجبهة الديبلوماسية متسلحاً بالقرار الدولي 1701، بينما يتأهب داخلياً لمنع الفتنة على وقع الضربات الاسرائيلية التي زلزلت حارة حريك، خوفاً من ارتداداتها على بقية المناطق.
ولا تزال القيادة العسكرية الاسرائيلية، وأكثر منها السياسية، تعيش نشوة “النصر” باغتيال رأس “حزب الله” السيد حسن نصر الله وقيادييه، ولا شك في أن هذه “النجاحات” تُفيد في الحرب، لرفع المعنويات الهابطة لدى الجمهور والجنود، واسترداد شيء من هيبة الجيش والمخابرات التي مُسحت في 7 تشرين الأول، واستعادة شيء من “قوة الردع” التي تضعضعت مع “طوفان الأقصى” لمدة سنة في قطاع غزة. لكن هذه الخطوات يمكن أن تُجْهَض بسهولة، إذا لم يجرِ استثمارها بصورة ناجحة، عسكرياً وسياسياً.
وحتى مع تلقِّي “حزب الله” ضربة قاسية فإن استمرار الحرب ضده، وما يرافقها من ضرب للمدنيين اللبنانيين، يجر قَدَمَيْ إسرائيل إلى تجربة ذاقت مرارتها أيضاً في الماضي، من عملية الليطاني في 1978، إلى حرب لبنان الأولى سنة 1982، فالثانية سنة 2006.
الاغتيالات مستمرة
في هذه الأثناء، وبينما لا يزال وضع “حزب الله” وقيادته الجديدة غامضاً، تمضي إسرائيل في ملاحقة من تبقى من قياداته في الضاحية الجنوبية لبيروت، بالتزامن مع أوسع مروحة من الغارات الجوية العنيفة التي أسفرت عن مجازر في الجنوب والبقاع، كانت أبرزها مجزرة في منطقة عين الدلب، شرق مدينة صيدا، حيث سقط 32 ضحية، فيما أعلنت وزارة الصحة أن 14 مسعفاً قُتلوا جراء الغارات الاسرائيلية خلال يومين فقط.
وبعد ساعات على اغتيال عضو المجلس المركزي في “حزب الله” الشيخ نبيل قاووق، ويومين على اغتيال السيد حسن نصر الله و20 آخرين من القيادات والعناصر معه، استهدفت غارة جديدة على الضاحية قيادياً في “حزب الله”، فيما أعلن الجيش الاسرائيلي أنه نفّذ “ضربة دقيقة” في المنطقة.
وتردد أن المستهدف هو أبو علي رضا، أحد أبرز القياديين الميدانيين للحزب، الذي نفى ذلك في بيان، مؤكداً أن “لا صحة للادعاءات الصهيونية حول اغتيال الأخ المجاهد الحاج أبو علي رضا، وهو بخير وعافية”.
ونفّذ الطيران الحربي غارة عنيفة على منطقة بين الشياح والغبيري في الضاحية الجنوبية، وارتفعت في سماء المنطقة سحب الدخان، وهرعت سيارات الإسعاف إلى المكان المستهدف. وذكرت إذاعة الجيش الاسرائيلي أن المستهدف بالهجوم هو “مسؤول في الوحدة الكيميائية لحزب الله، المسؤولة عن مختبرات المتفجرات وإنتاج الصواريخ”.
وأودت غارة إسرائيلية على سهل البقاع أمس بحياة القيادي البارز في “الجماعة الاسلامية” محمد دحروج.
الميدان
وتترافق الحملة الأمنية مع حملة عسكرية متواصلة، بحيث تتعرّض مناطق في جنوب لبنان وشرقه وصولاً إلى ضاحية بيروت الجنوبية لقصف إسرائيلي كثيف، أدّى إلى مقتل المئات، من بينهم 14 مسعفاً قُتلوا خلال يومين جراء القصف الاسرائيلي المتواصل.
وأعلن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة في بيان أولي، أن “اعتداء العدو الإسرائيلي على عين الدلب أدى في حصيلة أولية إلى استشهاد 32 شخصاً وإصابة 29 شخصاً بجروح”.
وفي شرق صور، أعلن الجيش الاسرائيلي، استهدافه 45 موقعاً لـ”حزب الله” في قرية كفرا بجنوب لبنان، مشيراً في بيان الى أن “من بين الأهداف، مخازن أسلحة وبنى تحتية عسكرية لحزب الله”. وأكد أنه “مستمر في قصف مواقع لحزب الله في لبنان”.
وشنّ الطيران الاسرائيلي أكثر من 40 غارة على مناطق مختلفة من بعلبك والبقاع خلال دقائق. وأفادت “الوكالة الوطنية للاعلام” بأن “الغارة التي شنّها جيش الاحتلال الاسرائيلي على منطقة زبود في البقاع الشمالي، أسفرت عن استشهاد عائلة مؤلفة من 17 شخصاً على الأقل، وما زال البحث جارياً عن ناجين تحت الأنقاض”.
في المقابل، أعلن “حزب الله” في بيان، قصف مدينة صفد ومنطقة أخرى في شمال إسرائيل “بصلية صاروخية”، وكذلك منطقة روش بينا “رداً على الاستباحة الهمجية الاسرائيلية للمدن والقرى والمدنيين”.
غارات على سوريا
ووسط حالة حداد أعلنتها دمشق على مقتل نصر الله، واصلت اسرائيل استهداف خطوط إمداد الحزب في المناطق الحدودية مع العراق ولبنان، بينما يستمر تدفق النازحين من لبنان إلى سوريا.
وسُمع، امس الأحد، دوي انفجارات عنيفة في أجواء محافظة حمص وسط سوريا، وقالت مصادر إعلامية سورية إن “الدفاع الجوي السوري تصدى لهدف معادٍ في ريف مدينة حمص”، وذلك بعد ساعات قليلة من استهداف غارة جوية إسرائيلية موقعاً قرب حاجز للقوات الحكومية في منطقة وادي حنا بريف القصير جنوب غربي حمص على الحدود السورية – اللبنانية.
وعلى وقع “الانتصارات” لجأ رئيس الوزراء الاسرائيلي من جديد إلى التوراة لتبرير العدوان الذي تشنه إسرائيل على فلسطين ولبنان واليمن، متوعداً بتغيير المعادلات في المنطقة.
وقال نتيناهو في مؤتمر صحافي مع الوزير الجديد في مجلس الوزراء الاسرائيلي جدعون ساعر: “كما هو مكتوب في التوراة سألاحق أعدائي وسأقضي عليهم”.
وأضاف: “نعمل بمنهجية على اغتيال قيادات حزب الله وتغيير الواقع الاستراتيجي في الشرق الأوسط كله”. وأكد أن تغيير توازن القوى يجلب معه احتمالاً بتحالفات جديدة في المنطقة “لأن إسرائيل حينئذ تنتصر”.
وتابع: “نعيش حرباً في 7 جبهات وحطمنا حماس في غزة وضربنا حزب الله ومنذ ساعة ضربنا الحوثيين في اليمن”.
وفي تعليق على الهجمات التي شنتها إسرائيل مساء أمس على مدينة الحديدة اليمنية، قال نتنياهو: “ضربنا الحوثيين في اليمن وجميعنا رأى الأهداف والثمن الذي يتكبده كل من يهاجموننا”.
ميقاتي
إلى ذلك، شدّد رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي على أن “خيارنا هو الحل الديبلوماسي، وهو الأفضل”، الذي يرتكز على القرار 1701، ونفى في الوقت نفسه تبلغ الحكومة شيئاً حول مبادرة قطرية – مصرية لوقف النار.
وقال ميقاتي بعد ترؤسه اجتماعاً للجنة الطوارئ الحكومية، شارك فيه وزراء ومسؤولون رسميون معنيون بالإغاثة: “نحن لن نتقاعس لحظة عن متابعة الدور الديبلوماسي، ولا خيار لنا سوى الخيار الديبلوماسي”، مضيفاً: “منذ بدء الأزمة قلنا بتطبيق القرار 1701، وأنا ذكرت الأمر أيضاً في مجلس الأمن في كلمتي، وكل مواقفنا تؤكد هذا الموضوع”.
وتابع ميقاتي: “مهما طالت الحرب فسنعود بالنهاية إلى القرار 1701، فلنوفر الدماء وكل ما يحصل، ولنذهب إلى تطبيق الاتفاق”. وأعلن أن “الجيش اللبناني حاضر لهذا الموضوع، ويجب أن نهيئ له المستلزمات اللازمة ليكون موجوداً”، مشيراً إلى أن “الجيش موجود على الحدود، ولا نستطيع في بعض الأحيان تأمين الغذاء له، لأن الشاحنات التي تؤمن الغذاء له تتعرض للعدوان، وبالتالي فكل اتصالاتنا تركز على تطبيق هذا القرار”.
وحول الحديث عن مبادرة قطرية ومصرية جديدة لحلّ الأزمة، قال: “كل المساعي التي تبذل مشكورة، ولكننا لم نبلغ شيئاً معيناً في هذا الخصوص، بل تبلغنا النداء الذي صدر يوم الأربعاء مساء من البيت الأبيض في ما يتعلق بوقف إطلاق النار لفترة 21 يوماً، لكي تكون هذه فرصة لتطبيق القرار 1701، وأنا رحّبت بهذا النداء وأيّدته”. وجدّد المطالبة بتطبيقه في أسرع وقت يمكن، اضافة الى تطبيق القرار 2735 الصادر عن مجلس الأمن. وأوضح أن “لبنان لا يزال يؤمن بالمجتمع الدولي وبالشرعية الدولية، في وقت لا يؤمن غيرنا إلا بشريعة الغاب وشريعة القوي التي تأكل الحق والضعيف”.
وبالتوازي مع إعطاء الحكومة اللبنانية الأولوية لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و”حزب الله”، وإغاثة الجرحى في المستشفيات، وتأمين أماكن إيواء للنازحين، تُستنفَر الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها الجيش اللبناني، للتصدي للإشكالات الداخلية، على خلفية موجات النزوح العارمة، كما نتيجة الغضب الكبير المسيطر على نفوس مناصري “حزب الله” بعد اغتيال أمينه العام.
ولم يمنع فتح معظم المناطق أبوابها لمئات آلاف النازحين، وغالبيتهم من الشيعة، في مشهد وطني جامع، حصول عدد من الاشكالات في بعض المناطق بين أهاليها ونازحين، نتيجة مشاجرات ذات طابع سياسي، وكذلك سُجّلت احتكاكات بُعَيد الإعلان عن اغتيال نصر الله نجحت الأجهزة المعنية في استيعابها سريعاً.
ولعل أبرز ما يخلق إشكالات مع النازحين هو خشية سكان المناطق التي تُعدّ نسبياً آمنة أن تصبح هدفاً للطيران الاسرائيلي في حال تبيّن أن من بين النازحين عناصر أو كوادر من “حزب الله”. وتصل مئات الشكاوى إلى بلديات قرى وبلدات تطالبها بالتأكد من هوية النازحين حديثاً إلى شقة ما.


