عانى لبنان تاريخياً من آثار التوترات الجيوسياسية المستمرة والأزمات الاقتصادية المتداخلة. وقد زاد التصعيد الأخير مع إسرائيل من تفاقم هذه الأوضاع الهشة، ما أدى إلى تدهور كبير في الأوضاع الانسانية والاقتصادية. وتسببت الهجمات المتواصلة في تدمير آلاف المنازل، وأجبرت مئات الآلاف، خصوصاً من المناطق الجنوبية والضاحية الجنوبية لبيروت، على النزوح. وإلى اليوم، تُقدّر التقارير عدد النازحين بنحو 1.5 مليون شخص.
وتتزامن هذه الأزمة الانسانية الكارثية مع تدهور اقتصادي حاد، بحيث تراجعت مؤشرات التنمية بصورة ملحوظة، وارتفعت معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات غير مسبوقة. ويشهد الاقتصاد اللبناني انكماشاً حاداً وسط غياب الاستقرار والثقة. وفي مواجهة هذه الظروف الصعبة، تعمل الجهات المحلية والدولية على توفير المساعدات الإغاثية والطبية العاجلة لتلبية الاحتياجات الانسانية الملحّة للنازحين والمتضررين.
وجذبت خطورة الوضع تحركات دولية واسعة، فأطلق العديد من الدول والمنظمات الانسانية نداءات عاجلة لضمان توفير المواد الأساسية مثل الغذاء والرعاية الصحية. يترافق هذا مع الجهود المستمرة لتقديم الدعم الاقتصادي وإعادة إعمار ما دمّر، بحيث يبدو لبنان اليوم أمام تحديات معقدة نتيجة لتشابك الأزمات الاقتصادية والانسانية. وفي ظل هذه الأوضاع، يبرز الدور الأساسي للدعم الدولي والمبادرات الديبلوماسية التي تُعنى ليس بالمساعدات العاجلة وحسب، بل بإعادة بناء لبنان على أسس أكثر استدامة.
ومع استمرار آلة الحرب، تُقدر خسائر القطاع السياحي في لبنان بأكثر من 4 مليارات دولار، في حين توقفت كل الرحلات الجوية باستثناء تلك التي تديرها شركة “طيران الشرق الأوسط”. أما القطاع الزراعي فقد تعرض لخسائر تقدّر بأكثر من 1.5 مليار دولار، وتراجعت القدرة الانتاجية بنحو 30 في المئة نتيجة للاضطرابات. وعلى صعيد البنية التحتية، تجاوزت الخسائر ملياري دولار مع تدمير أكثر من 4000 وحدة سكنية، مع توقعات بارتفاع الأضرار في حال استمرار النزاع. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الاقتصاد اللبناني كان من المتوقع أن ينمو بنسبة 1.7 في المئة عام 2024 و3.8 في المئة عام 2025، إلا أن استمرار النزاع قد يؤدي إلى انكماش يصل إلى 5 في المئة في العام المقبل بحسب “فيتش سوليوشنز”.
وفي إطار هذه الأزمة المتفاقمة، أعلنت فرنسا عن تنظيم مؤتمر دولي عالي المستوى في باريس يوم 24 تشرين الأول لمناقشة الأزمة اللبنانية الشاملة وحشد الدعم الدولي. ويهدف المؤتمر إلى تعبئة الجهود الدولية لتقديم المساعدات الانسانية الطارئة للنازحين والمتضررين، ودعم الاستقرار في لبنان، ورسم آليات لإعادة الإعمار والتنمية.
وفي ظل هذا الواقع الاقتصادي والحربي أصبح السؤال المطروح: هل يمكن للمؤتمرات الدولية أن تكون الحل لإنقاذ لبنان؟
لطالما شكلت المؤتمرات الدولية على مر السنوات الأخيرة منصات حيوية للتواصل بين لبنان والمجتمع الدولي، وكانت مفتاحاً لتدفق الدعم الاقتصادي والانساني الى لبنان في مراحل حرجة. من أبرز تلك المؤتمرات لا الحصر “مؤتمر سيدر” في عام 2018، الذي حصل فيه لبنان على وعود بقروض ميسرة ومنح بلغت قيمتها 11.5 مليار دولار لدعم إعادة تأهيل البنية التحتية ومشاريع التنمية والاصلاحات. كما شهد “مؤتمر باريس 3” في عام 2007، تعهدات بمساعدات بلغت أكثر من 7.6 مليارات دولار لدعم الاقتصاد اللبناني، منها هبات وقروض ميسرة من السعودية، أوروبا، البنك الدولي، والولايات المتحدة. مثل هذه المؤتمرات لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت مفتاحاً لتدفق الدعم الاقتصادي والانساني، حينها، كانت العوامل السياسية والقيادية من الركائز الأساسية التي ساهمت في نجاح مؤتمرات الدعم هذه. ففي تلك الفترات، كانت هناك قيادة سياسية وعلاقات إيجابية مع المجتمعين العربي والدولي لعبت دوراً حاسماً في تحفيز المانحين على تقديم الدعم.
وفي السنوات الأخيرة، أصبح المجتمع الدولي أكثر حذراً في تقديم المساعدات، مطالباً بإصلاحات جادة قبل أي دعم. ولبنان يشهد اليوم استقطاباً حاداً بين القوى السياسية المتنافسة، ما يعرقل قدرة الدولة على اتخاذ قرارات موحدة، خصوصاً في ما يتعلق بتطبيق القرارات الدولية. علاوة على ذلك، أدت التحولات الاقليمية المتسارعة إلى تغييرات في التحالفات، ما أضعف مكانة لبنان على الساحة الدولية وجعل من الصعب حشد الدعم المالي العربي والدولي نظراً الى العلاقات المتوترة مع بعض الدول. كما أن التحديات الأمنية تستمر في تقويض الاستقرار الداخلي، الأمر الذي يجعل المجتمع الدولي ينظر إلى لبنان كدولة تحتاج إلى استقرار سياسي قبل تقديم أي دعم اقتصادي.
واليوم، تطرح التساؤلات عما إذا كانت المؤتمرات الدولية المقبلة قادرة على تكرار نجاحات الماضي في دعم لبنان وتخفيف أزماته. وعلى الرغم من اختلاف الظروف الاقليمية والدولية، واختلاف نظرة المجتمعين العربي والدولي إلى لبنان، فإن أهمية هذه المؤتمرات تظل حاسمة في تعزيز الثقة الدولية بلبنان، وتحفيز المجتمع الدولي على تقديم المساعدات الضرورية. ففي ظل الأزمات المركبة التي يعاني منها لبنان، يبقى الدور الدولي عنصراً أساسياً في استقراره، سواء من خلال تقديم المساعدات الانسانية العاجلة أو المساهمة في إعادة الإعمار والتنمية على المدى الطويل. إلا أن نجاحها في الوقت الحالي يعتمد بصورة كبيرة على قدرة لبنان على الالتزام بالاصلاحات السياسية والاقتصادية الضرورية، والتي لطالما كانت حجر عثرة أمام تنفيذ التعهدات الدولية وبنود المؤتمرات الدولية السابقة.


