يبدو أن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ماضٍ في حرب “الحضارات” غير آبه بأي خسائر بشرية في الميدان، ولا بالضغوط الأميركية التي تطالبه بالتفاوض، بحيث اصطدم المتحمسون لوقف إطلاق النار، لا سيما المسؤولان الأميركيان اللذان كانا يلتقيان به في تل آبيب آموس هوكشتاين وبريت ماكغورك بتشديده على الاستمرار في القتال كون “الظروف الناشئة” لا تكفي لفرض اسرائيل شروطاً أفضل في المفاوضات، مجدداً الحديث عن تغيير وجه الشرق الأوسط، واضعاً عنوان أمن اسرائيل أولاً. أما في القراءة فلا يبدو أن نتنياهو (صديق دونالد ترامب) في وارد إهداء الديموقراطيين ولو حتى إيجابية كاذبة عن وقف الحرب، قبل حسم نتائج الانتخابات في 5 تشرين الثاني المقبل، اليوم الذي تتجه إليه أنظار المنطقة والعالم. وفي حال استمرت الحرب إلى ما بعد هذا التاريخ، سيكون هناك تعويل على القمة العربية الاسلامية المرتقبة علّها تتمكن من تحقيق خرق على الصعيد الدولي يضغط على اسرائيل.
وفيما تشتد المعركة على الحدود الجنوبية، لا سيما في بلدة الخيام التي أصبحت “أم المعارك،” تلاحق اسرائيل “حزب الله” حتى إلى سوريا، حيث أعلن الجيش الاسرائيلي عن استهداف مستودعات أسلحة ومقرات قيادة استخدمتها “قوة الرضوان” ووحدة التسلح التابعة لـ “حزب الله” في منطقة القصير، ويأتي ذلك مع استمرار الهجمات على طريق بيروت – البقاع، حيث استهدفت سيارة على طريق عاريا – عاليه، لليوم الثاني على التوالي، توازياً مع استمرار تفريغ العدو لمناطق البقاع والجنوب من سكانها، عبر التحذيرات التي تليها أحزمة نارية مدمرة.
ميقاتي غير متفائل
ولاقى رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي التشاؤم من مسار المناقشات الأميركية الاسرائيلية في تل أبيب، حيث قال: “لقد تبلغنا من الموفد الرئاسي الأميركي آموس هوكشتاين بالأمس أنه سيسعى في إسرائيل للتوصل إلى حل يوقف إطلاق النار تمهيداً للبحث عن سبل التطبيق الكامل للقرار 1701، ونحن في انتظار أن نتبلغ منه نتائج اتصالاته، علماً أن التصعيد الإسرائيلي المستمر، والمواقف والتهديدات الاسرائيلية لا تبعث على التفاؤل، على الأقل في الفترة القصيرة المقبلة”. وأكد أن “التهديدات التي يطلقها العدو الاسرائيلي ضد المدنيين اللبنانيين بإخلاء مدن بأكملها، والنزوح عن مناطقهم ومنازلهم، جريمة حرب إضافية، تضاف إلى سلسلة الجرائم التي يرتكبها العدو الاسرائيلي قتلاً وتدميراً وتخريباً”.
غارات على بعلبك
وكان الجيش الاسرائيلي أطلق إنذاراً ظهر الخميس، بعد يوم من إنذار مماثل الأربعاء، طالب فيه سكان بعلبك ومحيطها بإخلائهما. وتلقى المواطنون اتصالات على شبكة الاتصالات الثابتة الأرضية ووسائل التواصل الاجتماعي، حذر فيها الجيش من عودة السكان، وباستئناف الغارات على المدينة في دورس وعين بورضاي.
وبدأ الجيش الإسرائيلي تنفيذ إنذاراته بالإخلاء؛ إذ شن بعد الظهر سلسلة من غاراته على مدينة بعلبك في دورس وطريق عين بورضاي والكيال، مستهدفاً المنطقة بحزام ناري جديد، وتوسعت الغارات باتجاه مقنة الواقعة شمال مدينة بعلبك، مستهدفة مبنى، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.
واختلط دخان الغارات على المدينة بألسنة الدخان المنبعث من منشآت تحتوي على مادة المازوت المشتعل منذ يوم الأربعاء في دورس؛ ما تسبب في نسبة تلوث مرتفعة في أجواء المنطقة باتت تهدد صحة الأهالي.
وأبادت الغارات الاسرائيلية عائلتين في بدنايل صباح الخميس، مؤلفتين من ثمانية أشخاص، وكذلك الأمر في سحمر في البقاع الغربي. كما استهدف الطيران الحربي ليلاً، منزلاً مأهولاً في بيت أبو صليبي شرق شمسطار، أسفر عن سقوط أربعة عشر شخصاً من بينهم عدد من النساء والأطفال.
… وفي جنوب لبنان
وسبق الغارات على بعلبك انذارات مشابهة في جنوب لبنان، وسادت مخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين حالة من الخوف لدى سكانه وسط حركة نزوح كثيفة، وقد استنفرت القوى الفلسطينية بعد التهديد الاسرائيلي للمخيم.
وأغار الطيران الحربي على بلدة يانوح. وسجلت غارة على دفعتين على حي مريصع في انصار، وأخرى على بلدة رشكنانيه والحوش في صور.
المواجهات البرية
إلى ذلك، اشتد القتال في بلدة الخيام ومحيطها، حيث تحاول القوات الاسرائيلية التوغل فيها منذ ليل الاثنين الماضي، على وقع قصف جوي عنيف. وأفيد بعد ظهر الخميس، عن “انسحاب ما تبقّى من قوات إسرائيلية من محور معتقل الخيام في الجنوب تحت ضربات المقاومة”. وتحدثت وسائل إعلام محلية عن “وقوع قوتين إسرائيليتين في المحور الشرقي والغربي للمدينة بكمين محكم”، وأن الجيش الاسرائيلي “حاول سحب القتلى والجرحى تحت غطاء دخاني كثيف”.
وأعلن “حزب الله” في 8 بيانات متتالية، عن قصف تحشيدات وتجمعات إسرائيلية جنوب منطقة الخيام، وفي الوطى، الواقع جنوب شرقها أيضاً، كما كثّف بعد الظهر استهداف تجمعات عسكرية في 4 بلدات ومستوطنات حدودية مع لبنان.
5قتلى بهجوم للحزب في المطلة
في هذا الوقت، لم يوقف “حزب الله” إطلاق الصواريخ، خصوصاً باتجاه البلدات والمستوطنات الاسرائيلية المحاذية للحدود اللبنانية التي أنذرها بالإخلاء. واستهدف مستوطنة المطلة في شمال اسرائيل، ظهر الخميس، ما أدى إلى مقتل 5 إسرائيليين.
وأفاد رئيس المجلس الاقليمي في بلدة المطلة، ديفيد أزولاي، “وكالة الصحافة الفرنسية”، بمقتل 5 أشخاص هم “مزارع محلي، و4 عمال زراعيين أجانب” نتيجة صواريخ “حزب الله”.
استهداف مخازن “الرضوان” في سوريا
إلى ذلك، أعلن المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي أفيخاي أدرعي أنّ “الجيش هاجم مستودعات أسلحة لمقرّات قيادة تابعة لقوة الرضوان ووحدة التسلّح التابعة لحزب الله في سوريا”.
وقال عبر منصة “إكس”: “قامت طائرات حربية تابعة لسلاح الجوّ، وبالتوجيه من هيئة الاستخبارات العسكرية، بمهاجمة مستودعات أسلحة ومقرات قيادة استخدمتها قوة الرضوان ووحدة التسلّح التابعة لحزب الله في منطقة القصير بسوريا”.
لا تقدم بمفاوضات وقف النار
ووسط جهود مكثفة من أجل التوصل إلى وقف إطلاق النار، وصل مبعوثا البيت الأبيض آموس هوكشتاين وبريت ماكغورك إلى إسرائيل لبحث حل سياسي في لبنان وسبل التوصل إلى وضع حد للنزاع في غزة، على ما أفادت وزارة الخارجية الأميركية.
وقال مكتب نتنياهو في بيان في أعقاب الاجتماع في القدس إن رئيس الوزراء أبلغهما أن “المسألة الرئيسية… هي قدرة إسرائيل وتصميمها على فرض احترام الاتفاق ومنع أي تهديد لأمنها مصدره لبنان”.
وفي وقت لاحق، قال نتنياهو خلال مراسم عسكرية في جنوب إسرائيل: “أقدر بشدة الدعم الأميركي وسياستي بسيطة: عندما يكون الأمر ممكناً أقول نعم، ولكن عند الضرورة أقول لا”.
وأضاف: “الجيوش الارهابية لن تكون بعد الآن على حدودنا. حماس لن تسيطر بعد الآن على غزة وحزب الله لن ينتشر على حدودنا الشمالية في مواقع تسمح له بغزو (إسرائيل) على بعد أمتار من حدودنا”.
وأفيد بأن نتنياهو وضع شروطاً جديدة للاتفاق مع لبنان، وأبدى إصراره على أن يتضمن بنداً يحفظ لإسرائيل حرية العمليات في لبنان في إطار أي تسوية لإنهاء الحرب. وقال خلال لقائه مع هوكشتاين وماكغورك، حول المبادرة الأميركية، إن “الأمر الأساسي ليس أوراق اتفاق كهذا أو آخر، ولا الأرقام 1701 و1556، وإنما قدرة وإصرار إسرائيل على ضمان تنفيذ الاتفاق وإحباط أي تهديد من لبنان على أمنها، وبشكل يعيد سكاننا إلى بيوتهم بأمان”.
واعتبر نتنياهو أن “الظروف الناشئة لا تكفي، وهناك حاجة الى مزيد من القتال حتى تستطيع إسرائيل أن تفرض شروطاً أفضل للاتفاقات”.


