تشكل الانتخابات الرئاسية الأميركية حدثاً محورياً، بحيث يحتدم السباق بين نائبة الرئيس الديموقراطي كامالا هاريس والمرشح الجمهوري الرئيس السابق دونالد ترامب. وينتظر المستثمرون والشركات بحذر نتائج هذه الانتخابات، إذ يمكن للتغيرات السياسية أن تؤدي إلى تقلبات كبيرة في الأسعار وتؤثر بصورة مباشرة على الأداء الاقتصادي. ويؤكد الخبراء أن فوز أي من المرشحين سيوفر للمستثمرين شعوراً بالارتياح لزوال بعض الغموض حول السياسات المتوقعة، لا سيما في ظل تصاعد التوترات مع الصين والأزمات المستمرة في الشرق الأوسط، ما يزيد من حالة عدم اليقين في المشهد الاقتصادي العالمي. وسيكون لهذا الحدث تأثير عميق على قطاعات متعددة، بدءاً من الأسواق المالية وحتى سياسة الطاقة والتجارة. وفي ظل هذه الأجواء، يتجه المستثمرون نحو تقييم المخاطر والفرص المرتبطة بالنتيجة النهائية، بحيث ستشكل القرارات التي تتخذها الادارة الجديدة مسار الاقتصاد الأميركي والعالمي في السنوات المقبلة.
الأسواق المالية
النتيجة الحاسمة في المعركة بين ترامب وهاريس ستجلب ارتياحاً ملحوظاً لـ”وول ستريت”، ومن المرجح أن يبدأ مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” في الارتفاع إلى مستويات جديدة ما لم يواجه عقبات غير متوقعة مثل زيادة حادة في معدلات الضريبة. ومع ذلك، قد لا تدوم فترة الانتعاش طويلاً بغض النظر عن نتيجة المنافسة بين ترامب وهاريس. وعند النظر في سياسات المرشحين الاقتصادية، فإن خططهما الممولة بالعجز قد تعرقل التقدم في خفض التضخم وتثير رد فعل سلبياً في سوق السندات، ما قد يهدد استمرار تخفيضات الفائدة من الاحتياطي الفيدرالي ويضغط على تقييمات سوق الأسهم. ويستند السيناريو المتفائل مع ترامب إلى احتمالية تخفيفه حدة التهديدات المتعلقة بالتعريفات والهجرة، أو على الأقل التباطؤ في تنفيذها، وهي عناصر كانت في مقدمة حملته الانتخابية.
وتقدر “موديز أناليتيكس” أن فرض تعريفات شاملة بنسبة 10 في المائة والرد المعتدل من الشركاء التجاريين قد يؤديان إلى ركود خفيف، مع تراجع النمو الاقتصادي بمقدار 3 نقاط مئوية، وارتفاع البطالة فوق الـ 5 في المائة، وزيادة أسعار المستهلكين الأساسية بنسبة نقطة مئوية واحدة، وانخفاض مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” بنسبة 6 في المائة.
ويقول عدد من المحللين إنه في حال فوز الديموقراطيين، فإن السوق قد لا تشهد طفرة ملحوظة، لا سيما أن فوزهم يمثل الاستمرارية وليس التحول عن الرئاسة الجمهورية، التي لا تعكس التغييرات السياسية التي يتوق إليها الناخبون الأكثر تحفظا في المخاطرة. والسبب الثاني هو أن الاقتصاد الأميركي يشهد حالياً انتعاشاً قوياً، إذ أضاف 254 ألف وظيفة في أيلول، وهو أقوى نمو للوظائف في ستة أشهر.
أسهم الطاقة
تتوجه أنظار المستثمرين نحو كيفية استجابة أسهم الطاقة للانتخابات المقبلة. إذا فاز ترامب، فمن المرجح أن يشهد قطاع النفط ارتفاعاً فورياً نتيجة لخططه الرامية إلى زيادة عمليات الحفر في الولايات المتحدة. وسيركز ترامب على تعزيز إنتاج النفط والغاز المحلي، ما قد يعزز أسهم شركات كبرى مثل “إكسون موبيل” و”شيفرون”. ومع ذلك، فإن زيادة الانتاج قد تؤدي إلى انخفاض أسعار النفط، ما قد يقلل من الارتفاع المتوقع في أسهم الطاقة.
من ناحية أخرى، قد يؤدي فوز هاريس إلى تعزيز قيمة شركات الطاقة المتجددة، بما في ذلك الطاقة الشمسية والرياح والسيارات الكهربائية. ويُتوقع أن تشهد أسهم هذه الشركات، خصوصاً في قطاع السيارات الكهربائية مثل “لوسيد” و”ريفيان”، بالاضافة إلى شركات الطاقة الشمسية مثل “نكست إيرا” و”فيرست سولار”، انتعاشاً ملحوظاً.
لكن المحللين يشيرون إلى أن إدارة ترامب قد تكون لها تداعيات سلبية على سوق النفط والغاز بسبب نيتها فرض الرسوم الجمركية. وتأثر النفط، أكبر الصادرات الأميركية، سلباً خلال ولاية ترامب الأولى، إذ أدت الحرب التجارية إلى انخفاض صادرات النفط الخام إلى الصين. وعلى الرغم من تعافي تلك الصادرات، فإن اندلاع حرب تجارية جديدة قد يكون له آثار سلبية كبيرة.
الاقتصاد الأوروبي
سيؤدي فوز ترامب بلا شك إلى زيادة عدم اليقين بالنسبة الى الاقتصادات الأوروبية، نظراً الى مواقفه بشأن تغير المناخ، وسياسات “أميركا أولاً”، وفرض التعريفات التجارية. وقد يقوم ترامب بإلغاء الاعفاءات على تعريفات الصلب والألمنيوم الأوروبية، ما سيكون له تأثير سلبي على قطاعات التعدين والصناعة. كما أن “تعريفات ترامب” قد تؤثر خصوصاً على مصنعي السيارات الأوروبيين، الذين يواجهون بالفعل تحديات اقتصادية في دول تعتمد على التصدير، مثل ألمانيا.
ومع ذلك، قد لا يخفف فوز هاريس من الضغوط الكبيرة، بحيث من المحتمل أن تمدد قانون تخفيض التضخم (IRA) الذي أقره بايدن، والذي يحمل دلالات حمائية واضحة. ويتضمن القانون مئات المليارات من الدولارات في الإنفاق على السياسات المناخية والطاقة، مع تقديم إعانات ضريبية لمصنعي السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة، ما قد يضعف المنافسين الأوروبيين في السوق.
وقد يؤدي تجدد النزاع التجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى جولة جديدة من تعديلات العملات، ما يمكن أن يدفع البنك المركزي الأوروبي الى تسريع خفض معدلات الفائدة، وبالتالي تعزيز ضعف اليورو. وقد حذر بعض المحللين من أن إعادة انتخاب ترامب قد تؤدي إلى دفع اليورو نحو التكافؤ مع الدولار الأميركي.
العملات الرقمية
أثبتت صناعة العملات المشفرة نفسها كجزء لا يتجزأ من الاقتصاد العالمي، خصوصاً في العام 2024 الذي شهد تحقيق إنجازات مهمة، منها الوصول إلى أعلى مستوى تاريخي جديد لعملة البتكوين والموافقة على صناديق الاستثمار المتداولة لها وللإيثير في الولايات المتحدة. وستكون لنتائج الانتخابات تأثيرات عميقة على سوق العملات الرقمية، حيث ستحدد قضايا التنظيم والضرائب ودمج هذه العملات في الاقتصاد التقليدي ملامح هذا القطاع الديناميكي.
في هذا السياق، يتطلع المستثمرون إلى حماية مصالحهم في مشهد مالي متغير، ما يزيد من المخاطر. فقد أصبحت الأسواق الناشئة نقطة خلاف رئيسية في الحملة الانتخابية، بحيث يسعى الناخبون المؤيدون للعملات المشفرة إلى إطار تنظيمي مناسب. وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن حوالي نصف الناخبين المحتملين يرون أن العملات المشفرة وتقنية “بلوك تشاين” هي مستقبل التمويل.
وبذل ترامب جهوداً ملحوظة لجذب صناعة العملات المشفرة، بحيث وعد بتحويل أميركا إلى “عاصمة العملات المشفرة في العالم”. وأطلق مشروعه الخاص بالعملات، وخاطب مؤتمر البتكوين في ناشفيل، وتعهد بإقالة رئيس لجنة الأوراق المالية والبورصات غاري غينسلر في اليوم الأول من رئاسته. من جهة أخرى، تتبنى هاريس موقفاً أكثر اعتدالاً تجاه العملات، لكن بعض المحللين يتوقع أن تتعرض أسعار البتكوين للانهيار في حال فوزها.
وبالتالي، فإن الخيارات التي يتخذها الناخبون في صناديق الاقتراع ستحدد مسار هذه التكنولوجيا التحويلية، ما يؤثر بصورة كبيرة على مستقبل النظام المالي لعقود قادمة.
تخفيضات الفائدة
تتزايد الانقسامات في “وول ستريت” حول الحاجة الى تخفيضات كبيرة في أسعار الفائدة، وسيزيد الصراع حول السياسة المالية بعد انتخابات 2024. وعليه، يتعين على المستثمرين مراعاة المخاطر المحتملة الناتجة عن تخفيضات الضرائب وزيادة الإنفاق، خصوصاً إذا فاز ترامب، ما قد ينهي دورة التخفيضات مبكراً.
وفي ظل ظروف اقتصادية مختلفة عما كانت عليه في 2016، حيث كانت الحاجة الى تحفيز واضحة آنذاك، يشير محللو “جيه بي مورغان” إلى أن الاقتصاد الحالي لا يحتاج الى تحفيز مالي، إذ إن الطلب الاضافي سيزيد التضخم في وقت “التوظيف الكامل”. في المقابل، فان الاحتياطي الفيدرالي قد يستمر في تخفيض أسعار الفائدة من دون التأثير على التضخم، بسبب ارتفاع الإنتاجية وتوافر العمالة. ومع ذلك، تشير الأسواق إلى مخاوف بشأن العجز المتزايد، ما قد يؤدي الى ارتفاع عائدات السندات وزيادة تكلفة القروض، ما يجعل الاحتياطي الفيدرالي أكثر حذراً في قراراته.
صراع الرؤى
تشير لجنة الموازنة الفيدرالية إلى أن تكلفة مقترحات ترامب على مدى 10 سنوات تصل إلى 7.75 تريليون دولار، مع إجمالي تكاليف تبلغ 10.4 تريليون دولار، تشمل تخفيض ضريبة الشركات إلى 15 في المائة وإلغاء الضرائب على فوائد الضمان الاجتماعي. يُتوقع جمع 3.7 تريليون دولار من الرسوم الجمركية، ما يستدعي إيجاد تعويضات للإنفاق أو تقليص تخفيضات الضرائب.
أما سياسات هاريس، فتصل تكلفتها إلى 3.95 تريليون دولار، مع تكلفة إجمالية تبلغ 7.65 تريليون دولار، تشمل تجديد تخفيضات الضرائب للأسر ذات الدخل المنخفض. وتعتمد تمويلاتها على رفع معدل الضريبة على الشركات إلى 28 في المائة وزيادة الضرائب على الأرباح الرأسمالية، مع التركيز على توسيع برامج الدعم الاجتماعي.
ومن الواضح، على هذا النحو، أن مصير الأسواق العالمية يعتمد على الاختيار بين رؤيتين متعارضتين لمستقبل الاقتصاد. سواء فازت هاريس أو عاد ترامب، فإن ردود أفعال السوق ستكون حاسمة في تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي.
وفي خضم هذه المنافسة المحتدمة، يدرك المستثمرون تماماً أن كل قرار سياسي قد يحمل تأثيرات طويلة الأمد.. فالانتخابات ليست مجرد اختيار لرئيس، بل هي فرصة لتوجيه مسار الاقتصاد نحو مستقبل أكثر استدامة واستقراراً.


