بفرصة حقيقية لوقف الحرب تحدث المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين من عين التينة بعد لقاء دام نحو ساعتين مع المفاوض رئيس مجلس النواب نبيه بري، وبقي بعض التفاصيل الذي بسببه أجّل زيارته إلى تل أبيب، يجري بحثه في السفارة الأميركية من خلال ممثل عن بري، إلا أنه لا يمكن القول إن الأمور حسمت والحرب ستنتهي، لا سيما مع جو تشاؤمي اسرائيلي، في ظل الاصرار على حرية حركة الجيش الاسرائيلي بعد وقف إطلاق النار وهو ما لا يقبل به لبنان بأي شكل، وباستعارة من مصطلحات بري نفسه “العبرة بالخواتيم”.
وسط هذه الأجواء، ووفق عنوان “الحكم للميدان” تتقدم القوات البرية الاسرائيلية في عمق جنوب لبنان، حيث وسّعت نطاق عملياتها في محاولة لقطع الطريق الساحلي جنوب مدينة صور عند نقطة البياضة، وعزل منطقة الناقورة ومحيطها، في موازاة محاولات التقدم على جبهة مدينة الخيام، والتحشيد في القطاع الأوسط استعداداً لتوغل إلى العمق في محيط مدينة بنت جبيل، ما ينذر بأن اسرائيل قد ترى نفسها ليست مضطرة للقبول بأي اتفاقات تسووية، بل قد تتجه الى فرض الشروط والاملاءات.
اعتداءات جديدة على “اليونيفيل”
في هذه الأثناء، أعلنت قوات “اليونيفيل” عن تعرضها لثلاثة اعتداءات في مناطق متفرقة في جنوب لبنان أمس، في حوادث متكررة منذ فترة، تتوجس منها الأوساط السياسية المحلية والدولية، كون القوات الدولية هي أحد الأركان الأساسية الضامنة في الاتفاق المفترض لوقف إطلاق النار.
وأشارت “اليونيفيل” الى إصابة أربعة من عناصرها جراء صاروخ استهدف إحدى قواعدها، قائلة إن “جهات غير حكومية داخل لبنان” قد تكون أطلقته “على الأرجح”. وأوضحت أن الصاروخ “أصاب قاعدتهم في شرق بلدة رامية” الحدودية، مؤكدة نقل ثلاثة من الجرحى إلى مستشفى في صور لتلقي العلاج.
وتحدثت في البيان نفسه عن حادثين آخرين الثلاثاء في جنوب لبنان، لافتة الى أن “مسلحاً أطلق النار” على “دورية تابعة لليونيفيل” حين كانت “تمر عبر طريق شمال شرق قرية خربة سلم” من دون تسجيل إصابات.
وفي حادث ثالث، تعرّض أحد مقرات “اليونيفيل” في بلدة شمع “لخمسة صواريخ أصابت ورشة الصيانة”، من دون أن يصاب أي من جنود حفظ السلام بأذى، وفق البيان.
وقد اتهمت اسرائيل “حزب الله” بإطلاق النار على موقعين لـ”اليونيفيل” أمس.
غارة على مركز للجيش اللبناني
الى ذلك، استهدف العدو الاسرائيلي مركزاً للجيش في بلدة الصرفند- الجنوب، ما أدى إلى استشهاد ٣ عسكريين، بحسب ما جاء في بيان لقيادة الجيش – مديرية التوجيه، مشيرة الى أن “الطيران الحربي الاسرائيلي شنّ مساء اليوم (امس)، غارة على بلدة الصرفند بالقرب من مركز للجيش اللبناني”. وذكرت أنّ “الشهداء الذين ارتقوا هم: الشهيد آدم عون، الشهيد علي حرب، والشهيد أيمن رحال”.
وصدر عن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة العامة بيان أعلن أن “غارة العدو الاسرائيلي هذا المساء (امس) على الصرفند أدت في حصيلة محدثة إلى استشهاد ثلاثة عناصر من الجيش اللبناني وإصابة 17 آخرين بجروح من بينهم مواطنون في الأماكن المحيطة”.
تقدم بري اسرائيلي نحو البياضة
في الميدان، شنّ الجيش الاسرائيلي هجوماً برياً جديداً انطلاقاً من بلدتي طيرحرفا وشمع الواقعتين جنوب مدينة صور، إلى الغرب في محاولة للوصول إلى الشاطئ البحري عند نقطة البياضة، وهو مسار يصل إلى 5 كيلومترات. والوصول إلى نقطة البحر سيعني إحكام الجيش الطوق على مقاتلي الحزب الذين لا يزالون في الأحراج الداخلية الواقعة شرق الناقورة بين حامول واللبونة، والتي يجري عمليات تمشيط بالنار فيها، ولم يتوقف عن قصف العمق اللبناني بالقذائف الحارقة، واستهدف جبال البطم ومجدل زون وزبقين وصولاً إلى البازورية.
وأعلن “حزب الله” في المقابل، أن مقاتليه قصفوا تجمعاً لقوّات الجيش الاسرائيلي عند الأطراف الجنوبية لبلدة شمع، بقذائف المدفعيّة، وتجمعاً آخر عند الأطراف الجنوبية لبلدة البياضة، بصليةٍ صاروخيّة.
اشتباكات عنيفة في الخيام
وفي القطاع الشرقي، جددت القوات الاسرائيلية محاولات التوغل إلى بلدة الخيام الحدودية، من الجهتين الشرقية والجنوبية، وأفادت قناة “المنار” الناطقة باسم “حزب الله”، بـ”تكثيف الغارات الجوية وتواصل القصف المدفعي على وسط وتخوم الأطراف الجنوبية والشرقية في مدينة الخيام”، لافتة إلى أن “أصوات الأسلحة الرشاشة في الأطراف الجنوبية والشرقية، يؤكد عدم تحقيق اختراق في الوسط المستهدف منذ 72 ساعة”. وأشارت إلى أن المقاتلين يواجهون محاولات التوغل إلى داخل المدينة، فضلاً عن “الاستهدافات الصاروخية من خارج المدينة لتحركات الدعم والتعزيز الاسرائيلية القادمة من الوزاني وعين عرب ومزرعة سردا”.
وبينما تعرضت الخيام لقصف مدفعي فوسفوري ولغارات جوية، أعلن “حزب الله” عن استهداف تجمعات إسرائيلية في بوابة العمرا عند الأطراف الجنوبية للمدينة، وعلى أطرافها الشرقية بصليات صاروخية، وصدر بيان عن غرفة عملياته فنّد المواجهات البرية ومجرياتها.
إضافة إلى ذلك، تواصلت الغارات الاسرائيلية في العمق اللبناني، كما واصل “حزب الله” إطلاق الصواريخ باتجاه العمق الاسرائيلي.
بري وهوكشتاين
في شأن المفاوضات، أكد الرئيس بري لصحيفة “الشرق الأوسط” أن “الوضع جيد مبدئياً”، وذلك بعد لقائه لساعتين هوكشتاين لبحث المقترح الأميركي لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل. وأوضح بري أن ما تبقى لإنجازه هو “بعض التفاصيل”، مشيراً إلى أن “هناك ممثلاً عنه، وممثلاً عن الأميركيين لمناقشة بعض التفاصيل التقنية، وبتها قبل الانتقال إلى المرحلة التالية التي ستكون بمغادرة هوكشتاين إلى إسرائيل، وننتظر ما سيحمله من هناك”. وكرر أن الأمور “جيدة”، لافتاً الى أن الضمانات في ما يخص الموقف الاسرائيلي هي على عاتق الأميركيين.
وعما إذا كانت المسودة التي تتم مناقشتها قد نوقشت مع الاسرائيليين، أجاب الرئيس بري: “هو (هوكشتاين) يقول إنه نسّق مع الاسرائيليين في ما يخص المسودة”، لكنّه استدرك قائلاً: “ليست المرة الأولى التي ينكر فيها الاسرائيليون تعهداتهم”.
وكان هوكشتاين قال للصحافيين إنه عاد لأن “أمامنا فرصة حقيقية للوصول إلى نهاية هذا النزاع، وهذه هي لحظة اتخاذ القرارات، وأنا في بيروت لتسهيل اتخاذ ذلك”. وأضاف: “لكن القرار يبقى قرار الفرقاء، للوصول إلى حل لهذا النزاع، والآن أصبح هذا الحل قريباً من أيدينا، والنافذة مفتوحة الآن، وآمل أن نصل خلال الأيام المقبلة إلى حل”.
تشاؤم اسرائيلي من وقف النار
وعلى الرغم من التفاؤل اللبناني – الأميركي صدرت إشارات تشاؤمية من تل أبيب، حيث أشارت مصادر سياسية لـ “القناة 12” العبرية الى أن الأميركيين يظهرون جدية بالغة في التوصل إلى اتفاق، ويؤكدون أن هناك تنسيقاً بين إدارة الرئيس جو بايدن والرئيس المنتخب دونالد ترمب، وكلاهما مصمم على التوصل إلى اتفاق. ومن أهم الأدلة على ذلك قرارهما وضع جنرال أميركي على رأس لجنة المراقبة. إلا أن إسرائيل تشكك بذلك، وتعتقد أن “حزب الله” يناور، ولن يتقبل الشروط الاسرائيلية.
وقالت هذه المصادر إن الجيش الاسرائيلي “يساهم في المفاوضات التي يجريها هوكشتاين بواسطة تكثيف القصف على بيروت نفسها، وليس على الضاحية أو الجنوب والبقاع فقط”. فهو يعدّ بيروت “الخاصرة الرخوة” لدى “حزب الله” واللبنانيين جميعاً، ومن هنا جاء التركيز عليها في عمليات القصف والغارات في الأيام الأخيرة، وكل يوم يمر تتصاعد الهجمات عليها.
ويلاحظ أن أكثر الجهات الاسرائيلية تشاؤماً حول الاتفاق، هم المقربون من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ونقلت صحيفة اليمين “يسرائيل هيوم”، عن مصدر سياسي إسرائيلي قوله إن “التوصل الى اتفاق لن يكون في الأيام القريبة على ما يبدو”. وكشفت أن “الجيش الاسرائيلي صادق على خطط أخرى لمهاجمة الضاحية الجنوبية لبيروت، وتنفيذ اغتيالات أينما يتاح في لبنان، حتى في بيروت الشرقية (ذات الغالبية المسيحية)، واستمرار استهداف مواقع حزب الله في جنوب لبنان”.


