جايي من بيروت.. أصرخ بأعلى صوت.. قلّو للفجر يطلع ينوّر هالبيوت.. مهما الليل يليّل ومهما الحزن يطوّل.. دي شعوب ما بتموت.. ولا راح تموت.
من لبنان الجريح المثقل بالأوجاع والمآسي، انطلقت؛ من بيروت “لؤلؤة الشرق”، من صور “سيدة البحار”، من بعلبك “مدينة الشمس”، حلّقت سفيرة السلام والانسانية ماجدة الرومي إلى إمارات الخير، حاملةً في صوتها مشاعل أمل ورسائل تضامن، استجابة لنداء الضمير والوطن. وبكل حماس وعنفوان، قدّمت حفلاً وطنياً خيرياً يعود ريعه كاملاً لدعم الشعب اللبناني الذي يرزح تحت وطأة الحرب الإسرائيلية منذ 23 أيلول الماضي. وجرى تنظيم هذا الحفل في إطار مبادرة “الامارات معك يا لبنان”، التي حملت شعار “كرمال عيونك يا لبنان”، بحيث جسّدت الماجدة في هذه الليلة المعطاءة، أسمى معاني الوحدة والتآزر بين اللبنانيين، مؤكدةً أن حب وطنها لا يعرف حدوداً، وأن مساندة أهلها هو واجبٌ مقدسٌ لا يُمس.
وفي كلمة افتتاحية مؤثرة، عبّرت ماجدة الرومي عن معاناة وطنها، فكان صوتها تعبيراً حقيقياً عن حال لبنان المتألم، قائلة: “نلتقي اليوم في ظروف لبنانية استثنائية وصعبة ومأساوية.. نلتقي لنقف هذه الوقفة التضامنية مع لبنان وأهله، وأنا أعلم أن لا أحد منا سعيد. أي لبناني فينا باستطاعته أن يكون سعيداً وهو يرى بلاده تُدمّر، وأهله وناسه يُقتلون، يُصابون، ويُهجّرون؟ في هذه الحرب، يا ليتها لم تكن، ويا ليت هذا الخراب الذي نراه لم يحدث، ولا تلك القرى المدمّرة، ولا هذه الخسارة الفادحة في الأرواح والأرزاق. ما هذه المجزرة التي لا تنتهي منذ عام 1975 حتى اليوم؟ كأننا نُذرنا للموت! ما هي هذه الأخطاء المتراكمة التي جعلت منا، مع مرور السنين، ساحة لتصفية كل الحسابات؟ أنا متألمة وحزينة مثل كل اللبنانيين، لكن إذا كان المطلوب مني أن أغني، فسأغني من أجل بلدي وأهلي وناسي الذين هم بحاجة لي اليوم. عندما يُسرق منا القرار اللبناني الحر، وعندما يتفتّت لبنان كما نرى، يُصبح كل واحد منا مسؤولاً أمام الله وضميره عن مصير هذا البلد”.
وأضافت: “دعتني دولة الامارات مشكورة، الله يديم عزها ومجدها، لأقف هنا اليوم، وجئت ومعي سلاحي، وأنا سلاحي صوتي. جئت لأغني، جئت لأدافع عن لبنان الحلو، بلدي لبنان الوديع، لبنان المسالم، لبنان الفن، لبنان الثقافة، لبنان الفكر الحر، لبنان الإبداع والتجلي في كل مجال. جئت لأدافع بصوتي عن سيادة لبنان، عن عروبته – لبنان العربي الذي ينتمي الى الأرض العربية، جئت لأدافع عن أرضه، عن شعبه، عن جيشه اللبناني الحبيب”.
وتابعت: “أعرف أن قدر لبنان صعب، لكنني أعرف أيضاً أن إرادة اللبنانيين أقوى من كل موت، ونحن سنكمل للغد بقوة الله، وفي يوم قريب، سيولد من إرادتنا نحن لبنان حر، سيد، مستقل”.
وعلى مدار ساعتين من الجمال والإبداع، أضاءت ماجدة الرومي “مدينة دبي للإنترنت” بأدائها العذب لمجموعة من أشهر أغانيها الوطنية والإنسانية، مثل “جايي من بيروت”، “عندما ترجع بيروت”، و”بيروت ست الدنيا”، فحوّلت مسرحها إلى لوحات وطنية تتناغم فيها الألحان مع المشاعر الجياشة، حيث نثرت بحنجرتها الذهبية وهجاً من الحب والسلام، يملؤه المجد والوفاء لوطنها لبنان، في لحظات لا تُشبه سواها.
وفي مشهدية وطنية جامعة، اعتلى لاعبو منتخب لبنان لكرة السلة المسرح ليقدّموا مع الماجدة تحية وفاء إلى بيروت، “ست الدنيا”، وأهدوها بقلب واحد ويد واحدة العلم اللبناني الذي توشّحت به وانحنت أمامه احتراماً وإجلالاً، قبل أن تعود لرفعه عالياً، وسط تفاعل جماهيري حار في رمزية لوطنٍ شامخ لا يُهزم، ولشعبٍ عزيز لا يعرف الهوان أو الاستسلام. وكما كانت البداية، كانت النهاية مسك الختام، حيث رددت بكل كبرياء وفخر، قسم الجيش اللبناني: “أقسم بالله العظيم أن أقوم بواجبي كاملاً دفاعاً عن علم بلادي وذوداً عن وطني لبنان”.
ليست هذه المرة الأولى التي تلامس فيها ماجدة الرومي بأوتار صوتها أوجاع اللبنانيين، فهي اليد البيضاء المعطاءة التي لا تنضب، والصوت المدوي الذي لا يلين في الدفاع عن الحق والعدل. هي السيدة الملتزمة بحب لبنان التي تُثبت في كل منعطف إنساني أن صوت الفن الرسالة قادر على أن يكون صوت الوطن.
وهي اللبنانية التي ترعرعت في “أرضٍ فيها شمس الحب تعانق وجه الحرية”، متحديةً الظلم، رافعةً راية الحق، فهتفت: “ما تقولو صار اللي صار وما عدنا صحاب القرار، إذا الظلم بيربح جولة، الحرية قدر الأحرار”. هي الوطنية التي تغنت بسحر وطنها، قائلةً: “بلادي أنا ولبنان عهد ليس أرزاً ولا جبالاً ولا ماءً، وطني الحب ليس في الحب حقد”. هي المقدامة التي حثّت لبنان على الصمود، فصدحت: “واصمد لبنان، ما بك وهن؟”. هي الحالمة بوطن سيد حر مستقل، فشدت: “عم بحلمك يا حلم، يا لبنان، انت الهدايا بالعلب”. وهي الوفية التي لا تجد لبيروت بديلاً، مهما اشتدّت رياح الحروب والويلات، فتنادي دوماً: “يا بيروت، يا بيروت، إنّ الدنيا بعدك ليست تكفينا”.
عيون لبنان هي الأكثر حزناً اليوم، وقلوب البنانيين هي الأشد نزفاً، تلك القلوب التي لا تهدأ آلامها ولا تستكين أوجاعها. وفي قلب الامارات، مزجت ماجدة الرومي بين الفن والتضامن الانساني، فصدح صوتها الحر في أمسية لبنانية مفعمة بالألم والأمل، لتضخ الحياة في قلب لبنان الأبي، الأبيض النقي والعصي على اليأس والموت. إذ تبقى ماجدة الرومي الصوت الأصدق، والكلمة الأقوى، والصورة الأبهى عن لبنان- طائر الفينيق- الذي ينبعث من أعماق رماده ليعود ويحلق من جديد نحو آفاق المجد، متسلّحاً بصلابة لا تُقهر وعزيمة لا تعرف المستحيل.






يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.