بعد الحرب والدمار… كيف يمكن للبنان إعادة بناء نفسه؟

هدى علاء الدين

تشكل حرب 2024 نقطة تحول دراماتيكية في تاريخ لبنان الحديث، إذ تضاف إلى سلسلة الأزمات التي شهدتها البلاد على مدى عقود من الزمن. وعلى الرغم مما يعانيه لبنان من أزمات سياسية واقتصادية عديدة، إلا أن الحرب الأخيرة كشفت عن حجم الدمار الهائل الذي لحق بكل القطاعات الحيوية في البلاد. ولم تقتصر تداعياتها على الأضرار المادية وحسب، بل امتدت لتدمير البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية على نطاق غير مسبوق، ما يفرض تحديات ضخمة تتطلب وقتاً طويلاً وجهوداً متضافرة للنهوض.

وتشير أحدث الأرقام إلى أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المادية بلغت نحو 3.4 مليارات دولار، ومن المرجح أن يكون الصراع قد تسبب في خسائر اقتصادية تزيد على خمسة مليارات دولار وربما أكثر. كما تكبد القطاع الزراعي اللبناني خسائر فادحة تجاوزت 1,1 مليار دولار، بما في ذلك تدمير المحاصيل والثروة الحيوانية، إضافة إلى نزوح المزارعين. وفي الوقت نفسه، عانى قطاع السياحة والفنادق، وهو ركيزة أساسية للاقتصاد اللبناني، من خسائر مماثلة. وبحسب التقديرات، فإن الصراع قد خفض نمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي للبنان لعام 2024 بنسبة لا تقل عن 6.6 في المئة، في وقت كان من المتوقع فيه تحقيق نمو اقتصادي متواضع قبل اندلاع الحرب. ويعكس هذا التراجع تفاقم أزمة اقتصادية مستمرة منذ خمس سنوات، بحيث تجاوز الانكماش الاقتصادي نسبة 34 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، ما أدى إلى خسارة ما يعادل 15 عاماً من النمو الاقتصادي. أما تكلفة إعادة الاعمار، التي تحتاج إلى مزيد من الوقت لتبلور تكلفتها النهائية بعد إجراء المسوحات والتحقيقات اللازمة، فتقدر بنحو 6 مليارات دولار.

فما هي أبرز خسائر هذه الحرب؟

تدمير البنية التحتية الصناعية: توقف نحو 30 في المئة من المصانع اللبنانية عن العمل نتيجة تدمير المنشآت الصناعية والمرافق الحيوية الواقعة في مناطق الصراع. وانخفض أيضاً النشاط الصناعي بنسبة 50 في المئة، ما أدى إلى انخفاض حاد في الانتاج المحلي.

انهيار القطاع التجاري: تعرض إلى تراجع كبير تراوح بين 80 إلى 90 في المئة باستثناء بعض القطاعات الأساسية مثل الغذاء والدواء. وقد أدى هذا التراجع الكبير إلى شلل في الحركة التجارية داخل الأسواق، ما ترك العديد من المؤسسات التجارية والشركات الخاصة في وضع حرج. كما دفع التباطؤ الاقتصادي العديد من الشركات إلى تسريح عمالها أو حتى إغلاق أبوابها، ما ساهم في اتساع رقعة البطالة والفقر.

تدهور غير مسبوق في قطاع المطاعم والسياحة: كان هذا القطاع من أكثر القطاعات تأثراً بتداعيات الحرب مسجلاً تراجعاً حاداً، إذ شهدت المطاعم تراجعاً بنسبة تزيد عن 90 في المئة. ويعكس هذا الانكماش التراجع العام في النشاط السياحي الذي تأثر بصورة كبيرة بالهجمات والمخاطر الأمنية. أما الفنادق فقد تراوحت نسب إشغالها بين 5 و10 في المئة فقط، وهو ما يمثل كارثة حقيقية في بلد يعتمد بصورة كبيرة على السياحة كمصدر رئيسي للدخل.

أضرار طويلة الأمد في القطاع الزراعي: بحسب وزير الزراعة اللبناني ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو”، تأثر 70 في المئة من القطاع الزراعي في لبنان بصورة مباشرة أو غير مباشرة بسبب الصراع. فقد دمرت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية بشصورة كاملة أو شبه كاملة، وأحرقت 65 ألف شجرة زيتون جراء القصف بالفوسفور الأبيض. كما أن استخدام القنابل العنقودية يفرض تحديات كبيرة على الحكومة ووزارة الزراعة، إذ يتطلب تطهير هذه الأراضي مدة طويلة، ما يعمّق من خسائر القطاع الزراعي على المدى الطويل.

صفر نشاط في قطاع المعارض والمؤتمرات: على الرغم من أن لبنان كان معروفاً كمركز للمعارض والمؤتمرات في الشرق الأوسط، إلا أن هذه الصناعة توقفت تماماً. ونتيجة للحرب توقفت حركة المعارض والمؤتمرات بنسبة 100 في المئة وتم إلغاء الفعاليات كافة ما أثر بصورة كبيرة على الاقتصاد اللبناني وخصوصاً في مجال سياحة المؤتمرات.

تراجع حركة السفر الجوي: شهد قطاع النقل الجوي في لبنان تدهوراً حاداً نتيجة الحرب، بحيث انخفضت حركة السفر بنسبة 90 في المئة للقادمين و60 في المئة للمغادرين، ما يعكس التأثير الكبير للصراع على هذا القطاع الحيوي. قبل تصاعد الصراع، كان هناك نحو 55 إلى 60 شركة طيران تعمل في مطار بيروت الدولي، إلا أن هذا العدد انخفض بصورة كبيرة بسبب الحرب إلى حين توقف جميع شركات الطيران باستثناء شركة “طيران الشرق الأوسط”. ونتيجة لهذه الظروف، انخفض سوق السفر بنسبة 80 في المئة مقارنة بالسنوات السابقة.

الطريق نحو التعافي المستدام

تتطلب عملية التعافي وإعادة الإعمار في لبنان فترة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات بحسب وزارة الاقتصاد، وهي فترة طويلة ومعقدة تستوجب تضافر الجهود والتنسيق الوثيق على المستويات كافة، لا سيما وأن إعادة بناء الاقتصاد اللبناني بعد الحرب ليست مجرد عملية ترميم للبنية التحتية المدمرة، بل هي مشروع وطني شامل وطموح يهدف إلى معالجة جذور الأزمة الاقتصادية والسياسية العميقة التي شهدها لبنان مؤخراً.

ويبقى السؤال: من سيتحمل تكلفة إعادة الإعمار؟ من أكثر الأسئلة تعقيداً في ظل الأزمة الاقتصادية العميقة. في هذا السياق، لا يمكن للمساعي الرامية إلى إعادة بناء لبنان أن تنجح من دون دعم دولي مستمر وموارد مالية ضخمة من الشركاء الدوليين والمؤسسات المالية العالمية، التي ينبغي أن تسهم في توفير التمويل الضروري عبر قروض ميسرة أو منح مالية. ومع ذلك، وعلى الرغم من الدور الحيوي الذي يلعبه المجتمع الدولي في هذه العملية، فإنه لا يمكن تحميله العبء بالكامل. إذ تقع على عاتق الحكومة اللبنانية مسؤولية كبيرة في تحمل جزء من تكلفة إعادة الإعمار، ويتوجب عليها اتخاذ خطوات إصلاحية هيكلية عاجلة في مختلف المجالات، مع التركيز خصوصاً على مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية لضمان أن الأموال المخصصة لإعادة الإعمار تُستثمر بصورة فاعلة.

إضافة إلى ذلك، لا يمكن إغفال الدور الحيوي الذي يجب أن يلعبه القطاع الخاص في هذه العملية. بما أن إعادة بناء البنية التحتية تتطلب استثمارات ضخمة، يعد القطاع الخاص شريكاً رئيسياً في هذه الجهود. ولكن، لتحقيق ذلك، لا بد من خلق بيئة اقتصادية مستقرة ومحفزة للاستثمار، مع تطوير أطر قانونية وتشريعية تضمن حقوق المستثمرين وتعمل على جذب الاستثمارات الأجنبية. في الوقت نفسه، يتعين إصلاح القطاع المصرفي، باعتباره جزءاً أساسياً من أي خطة شاملة للتعافي الاقتصادي في لبنان. كما تبرز الحاجة الملحة الى إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتنظيمه بشكل يعيد الثقة المفقودة ويستعيد استقرار النظام المالي، ليكون قادراً على دعم التعافي الاقتصادي المستدام.

شارك المقال