منذ اندلاع الحرب في عام 2011، مرّ الاقتصاد السوري بسلسلة من الانتكاسات الكارثية التي تركت آثاراً عميقة على حياة المواطنين وأدت إلى تدمير البنية الاقتصادية للبلاد. فقد كان الاقتصاد السوري قبل الحرب واحداً من الاقتصادات الصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، حيث شهد نمواً ملحوظاً في قطاعات متنوعة. ولكن مع مرور الوقت، تفاقمت الأزمات الداخلية، من صراع مسلح ونزوح جماعي، بالاضافة إلى العقوبات الاقتصادية والضغوط الخارجية، ما دفع الاقتصاد إلى الانكماش الحاد والانهيار التدريجي.
اليوم، يواجه السوريون أوضاعاً مأساوية تتجسد في معدلات بطالة مرتفعة، وانخفاض حاد في مستوى المعيشة، وارتفاع كبير في معدلات الفقر. وعلى الرغم من هذه الظروف القاسية، لا يزال الأمل في التعافي قائماً، شريطة اتخاذ خطوات إصلاحية جذرية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، إلى جانب الدعم الدولي، بهدف خلق بيئة مواتية للاستثمار وتحفيز النمو الاقتصادي المستدام.
نمو اقتصادي ملحوظ قبل 2011
بين عامي 2000 و2010، شهد الاقتصاد السوري قفزة بارزة بحيث نما الناتج المحلي الاجمالي بمعدل سنوي يتراوح بين 4 و5 في المئة، مدفوعاً بسلسلة من الاصلاحات الاقتصادية المحدودة، فضلاً عن الارتفاع المستمر في أسعار النفط العالمية. وقد بلغ الناتج المحلي الاجمالي حوالي 60 مليار دولار بحلول العام 2010، مقارنة بـ18 مليار دولار في العام 2000، وفقاً لبيانات البنك الدولي. كان الاقتصاد السوري في تلك الفترة يعتمد بصورة أساسية على قطاعي النفط والزراعة، اللذين شكّلا الدعامة الأساسية للنشاط الاقتصادي في البلاد، بينما بدأت قطاعات أخرى، مثل السياحة والخدمات، بالانتعاش تدريجياً مع بداية العقد الأول من الألفية الجديدة.
وبحلول العام 2011، وصل الاقتصاد السوري إلى ذروته مسجلاً 67.5 مليار دولار. وكان قطاع الأدوية من أبرز القطاعات الحيوية في الاقتصاد السوري، بحيث تمكن قبل آذار 2011 من تلبية 90 في المئة من الطلب المحلي وتصدير منتجاته إلى 54 دولة حول العالم، ما ساهم بصورة كبيرة في تعزيز مكانة سوريا كمصدر رئيسي للأدوية على مستوى المنطقة.
اقتصاد الحرب.. انكماش وفقر متزايد
دفع الصراع المستمر منذ أكثر من عقد الاقتصاد إلى حالة من الانكماش الحاد والانهيار التدريجي، تاركاً انعكاسات كارثية على معيشة المواطنين والبنية الاقتصادية. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري يواصل الانكماش من دون توقف، مع توقع انخفاض الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي بنسبة 1.5 في المئة في العام 2024، بعد تراجع بنسبة 1.2 في المئة في العام 2023. وبين عامي 2010 و2021، انكمش الاقتصاد بنسبة كبيرة بلغت 54 في المئة، مع احتمالات أن تكون الخسائر الحقيقية أعلى بكثير بسبب عدم وجود بيانات دقيقة من مناطق النزاع.
وقد أدى التضخم المتزايد إلى تآكل القوة الشرائية للأسر، بحيث يتوقع أن يصل معدل التضخم إلى 99.7 في المئة في العام 2024. ويجعل هذا الارتفاع الحاد في الأسعار من الصعب على السوريين تلبية احتياجاتهم الأساسية. كذلك، تعمقت أزمة الفقر بصورة غير مسبوقة، بحيث يعيش 69 في المئة من السكان تحت خط الفقر، ويعاني أكثر من ربع السكان من الفقر المدقع، ما يضع ضغوطاً كبيرة على الأسر ويحد من قدرتها على التكيف مع الظروف الراهنة.
عوامل تفاقم المعاناة الاقتصادية
شهد الاقتصاد السوري سلسلة من الصدمات المتتالية التي عمّقت أزمته الاقتصادية وزادت من معاناة الأسر السورية. وقد لعبت عوامل خارجية دوراً محورياً في هذا التدهور، ما فاقم التحديات الاقتصادية والاجتماعية بصورة ملحوظة. من أبرز هذه العوامل الأزمة المالية في لبنان عام 2019، التي كانت صدمة للاقتصاد السوري، فقد كان لبنان يشكل منفذاً اقتصادياً رئيسياً له، اعتمد عليه السوريون لتحويل الأموال والاحتفاظ بالودائع. وقد قطع انهيار النظام المصرفي اللبناني هذا المصدر الحيوي، ما زاد من تعقيد الأزمة المالية في سوريا. كما أن جائحة “كوفيد-19” زادت من الضغوط على الاقتصاد، الأمر الذي عمّق الفقر وقلص الفرص الاقتصادية بسبب تعطّل القطاعات الصحية والانتاجية وارتفاع أسعار السلع الأساسية جراء الاغلاق العالمي وتعطل سلاسل التوريد. إضافة إلى ذلك، ساهمت الحرب في أوكرانيا في رفع أسعار الوقود والغذاء عالمياً، ما أثر بصورة مباشرة على سوريا، التي تعتمد على واردات الحبوب، خصوصاً القمح من أوكرانيا وروسيا. ومع تصاعد تكاليف الشحن والامدادات، زادت الأزمة الغذائية في البلاد، حيث واجهت الأسر صعوبة في تأمين احتياجاتها الأساسية.
أدت هذه التحديات إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر السورية، وزيادة الاعتماد على المساعدات الدولية، في وقت تواجه فيه البلاد صعوبة في جذب الاستثمارات وإعادة تفعيل عجلة الاقتصاد بحيث تفتقر إلى بيئة مواتية لجذب رؤوس الأموال المحلية أو الأجنبية. وعلى الرغم من محاولات التكيف، فإن استمرار الأزمات الخارجية إلى جانب التحديات الداخلية يُبقي الأفق الاقتصادي لسوريا غامضاً ومليئاً بالتحديات.
الموارد والنفط… أمل معقد في ظل الأزمات
شهد قطاع الطاقة في سوريا اضطرابات حادة منذ العام 2011، إذ تعرضت البنية التحتية للنفط والغاز لأضرار جسيمة، ما أدى إلى تراجع كبير في الإنتاج. وتعتبر هذه الأزمة أحد أبرز العوامل التي فاقمت المشكلات الاقتصادية في البلاد، حيث كان قطاع الطاقة يشكل أحد أعمدة الاقتصاد السوري قبل الحرب.
وأفاد البنك الدولي بأن بيانات حرق الغاز ليلاً تشير إلى انخفاض مستمر في إنتاج النفط بنسبة 3.5 في المئة سنوياً خلال العام الماضي. ويُعزى هذا التراجع جزئياً إلى الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية بسبب الزلازل والصراعات المسلحة. ووفقاً لتقارير إدارة معلومات الطاقة الأميركية، كان إنتاج النفط في سوريا يبلغ متوسطه أكثر من 400 ألف برميل يومياً بين عامي 2008 و2010، لكنه انخفض إلى أقل من 25 ألف برميل يومياً بحلول أيار 2015. وفي عام 2023، بلغ متوسط الإنتاج حوالي 91 ألف برميل يومياً، وهو رقم بعيد جداً عن مستويات ما قبل الحرب.
ويشير البنك الدولي إلى أن تراجع إنتاج النفط لم يكن وليد الحرب فقط، بل كان في تدهور تدريجي قبل العام 2011 نتيجة تقادم حقول النفط السورية وقلة الاستثمارات في تقنيات الاستخراج الحديثة. ومع ذلك، ساهمت الحرب بصورة كبيرة في تسريع وتيرة هذا الانخفاض الحاد، بحيث دمرت البنية التحتية، وتوقفت الاستثمارات الأجنبية، وخرج العديد من الحقول عن السيطرة الحكومية.
وعلى الرغم من التحديات، يبقى قطاع الطاقة جزءاً أساسياً من أي خطة للتعافي الاقتصادي في سوريا. لكن استعادة هذا القطاع إلى مستويات الإنتاج السابقة تتطلب استثمارات ضخمة، وإصلاحات هيكلية، وبيئة سياسية مستقرة قادرة على جذب رؤوس الأموال والتكنولوجيا اللازمة لإحياء الحقول المتقادمة واستكشاف موارد جديدة. وفي ظل الظروف الراهنة، يبدو تحقيق هذا الهدف معقداً وصعباً. ومع ذلك، فإن عودة قطاع الطاقة إلى مساره الطبيعي قد يمثل خطوة حاسمة نحو تحسين الوضع الاقتصادي العام وتخفيف المعاناة.
العملة والتجارة غير المشروعة
منذ العام 2011، تشهد الليرة السورية دوامة هبوطية، بحيث فقدت أكثر من 90 في المئة من قيمتها منذ العام 2020، مع تسارع الانخفاض خصوصاً منذ العام 2020. ويعكس هذا الانهيار سلسلة من الإخفاقات الاقتصادية الناجمة عن السياسات الحكومية غير الفاعلة، إلى جانب التداعيات القاسية للعقوبات الدولية المفروضة على سوريا. وبحلول العام 2023، تعرضت الليرة السورية لانخفاض تاريخي بنسبة 141 في المئة مقابل الدولار الأميركي، ما عمّق أزمة الاقتصاد المحلي وزاد من حدة التحديات اليومية التي يواجهها المواطنون.
وفي ظل هذا الانهيار الاقتصادي، برزت تجارة الكبتاغون كأحد المصادر الرئيسة لتأمين العملة الصعبة وتعويض تراجع الموارد المالية التقليدية. فقد وصف البنك الدولي اقتصاد سوريا الحالي بأنه “اقتصاد مدفوع بالكبتاغون”، مشيراً إلى أن البلاد أصبحت المنتج والمصدّر الأكبر لهذه المادة المخدرة في المنطقة. وتتراوح القيمة السوقية السنوية لتجارة الكبتاغون السوري المنشأ بين 1.9 مليار دولار و5.6 مليارات دولار. وتقارب هذه الأرقام الناتج المحلي الاجمالي للبلاد، الذي قدّر بنحو 6.2 مليارات دولار في العام الماضي، ما يبرز الدور المتنامي لهذا النشاط غير المشروع في دعم الاقتصاد السوري المتهاوي.
دمار البنية التحتية وتحديات إعادة الإعمار
أدى الدمار الشامل الذي طال البنية التحتية في سوريا، إلى جانب الخسائر البشرية الكبيرة، إلى تراجع واضح في الإنتاجية بمختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية. هذا التدهور لم يكن مجرد نتيجة للحرب، بل ألقى بظلاله على جميع مناحي الحياة، ما وضع تحديات كبيرة أمام أي جهود للتعافي أو إعادة البناء.
وعلى الرغم من هذه التحديات، يرى بعض المراقبين أن هناك فرصاً واعدة للتعافي، بفضل مبادرات المنظمات الدولية المستقبلية وبرامج التعافي المبكر التي تسعى إلى وضع أسس لإعادة البناء. ومع ذلك، تُجمع التقديرات على أن سوريا بحاجة إلى ما لا يقل عن سبع إلى ثماني سنوات لاستعادة مستويات الإنتاج والتنمية التي كانت سائدة قبل الحرب، شريطة تحقق الاستقرار السياسي الذي يُعدّ العامل الحاسم لتحقيق هذه العودة.
ووفقاً للخبراء، فإن العلاقة بين الاستقرار الاقتصادي والتحولات السياسية تُعدّ مترابطة بشكل لا يمكن فصله. فمن دون بناء دولة مستقرة وقادرة على كسب ثقة المجتمع الدولي ودعمه، ستظل أي محاولات للنهوض الاقتصادي محدودة وغير مستدامة. وفي هذا الإطار، يتطلب تحقيق تقدم ملموس وضع خطط طويلة الأجل تشمل تعزيز سيادة القانون، وتطوير المؤسسات الحكومية، واستقطاب استثمارات خارجية لدعم إعادة الإعمار.
وعليه، فإن مستقبل سوريا يعتمد بصورة كبيرة على قدرتها على تجاوز العقبات السياسية والأمنية، وخلق بيئة مستقرة تُمكّن من إطلاق عملية تنموية شاملة تُعيد الأمل إلى شعبها، وتضع البلاد على مسار جديد نحو الازدهار.


