لا تقتصر استضافة المملكة العربية السعودية لكأس العالم 2034 على كونها حدثاً رياضياً عالمياً فحسب، بل تمثل نقطة تحول استراتيجية تعكس الطموحات الكبرى للمملكة ورؤيتها المستقبلية نحو الرياضة. فقد أسهم القطاع الرياضي في زيادة الناتج المحلي بنسبة 17 في المئة خلال عامين، وهو إنجاز يعكس قوة التحول الذي تشهده المملكة. وتأتي هذه الخطوة في سياق مسيرتها المتواصلة لتعزيز مكانتها الدولية، من خلال تحقيق إنجازات استثنائية في مختلف المجالات، ما يعكس قدرة المملكة على القيادة والابتكار على الساحة العالمية.
وعلى الرغم من أن تنظيم هذا الحدث الضخم سيعكس قدرة السعودية على استضافة فعاليات رياضية كبرى وفق أعلى المعايير العالمية، ما يضعها في مصاف الدول الرائدة على الساحة الرياضية الدولية، إلا أن هذه الاستضافة تتجاوز البعد الرياضي لتشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية أعمق تتماشى مع أهداف رؤية السعودية 2030.
فما هي أبرزها؟
تعزيز الناتج المحلي الإجمالي: تشير التقديرات إلى أن البطولة ستضخ أكثر من 20 مليار دولار في الاقتصاد السعودي، عبر الإنفاق المباشر للمشجعين، وزيادة النشاط السياحي والاستثمارات المرتبطة بالحدث. ومن المتوقع أن يستقطب الحدث أكثر من 3 ملايين مشجع، نصفهم من الخارج، ما سيعزز قطاعات مثل الضيافة، والترفيه والخدمات اللوجيستية.
جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة: من المتوقع أن تساهم البطولة في جذب استثمارات ضخمة في العديد من القطاعات، بما في ذلك بناء الملاعب الجديدة وتطوير البنية التحتية. تشمل الخطط بناء 11 ملعباً جديداً بمواصفات عالمية وتطوير 15 ملعباً آخر، بالاضافة إلى تحديث المرافق المرتبطة بالضيافة والسياحة والنقل وتوسعتها.
خلق فرص العمل: سيوفر كأس العالم آلاف الوظائف للشباب السعودي، سواء في المجالات الرياضية المباشرة أو في القطاعات الداعمة مثل الضيافة، والفندقة، والنقل، والخدمات اللوجيستية. وتقدر هذه الوظائف بحوالي 1.5 مليون وظيفة جديدة، ما سيسهم في تقليص معدل البطالة وتعزيز مهارات القوى العاملة المحلية.
تنشيط قطاع السياحة: ستشكل استضافة كأس العالم 2034 نقطة تحول مهمة في قطاع السياحة السعودي، حيث ستجذب ملايين الزوار من مختلف أنحاء العالم، وتساهم في تنويع الخيارات السياحية، وتعزيز التبادل الثقافي، ودعم الاستثمار في البنية التحتية السياحية، ما سيجعل المملكة وجهة سياحية عالمية رائدة ومستدامة.
تطوير المدن المستضيفة: خمس مدن رئيسية هي الرياض، جدة، نيوم، الخبر وأبها، ستكون المحطات الرئيسية للبطولة. سيتم بناء ملاعب حديثة بتقنيات متطورة، بالاضافة إلى تحسين أنظمة النقل وبناء شبكات طرق ومطارات جديدة أو تطوير القائم منها.
توسيع قطاع الضيافة: من المتوقع تطوير 230 ألف غرفة فندقية في المدن المستضيفة، ما يعزز جاهزية السعودية لاستقبال الزوار من مختلف أنحاء العالم. هذه التحسينات ستخدم ليس الحدث وحسب، بل ستترك إرثاً مستداماً يدعم تطور قطاع السياحة والضيافة لعقود قادمة.
دعم رؤية 2030: تتوافق استضافة كأس العالم 2034 مع الأهداف الطموحة لرؤية السعودية 2030، التي تركز على تنويع الاقتصاد وتطوير القطاعات غير النفطية. تشكل الرياضة محوراً أساسياً في هذه الرؤية، بحيث تهدف المملكة إلى رفع مساهمة القطاع الرياضي في الناتج المحلي إلى 82 مليار ريال بحلول العام 2030. من المتوقع أن تساهم استضافة كأس العالم بصورة كبيرة في زيادة هذه المساهمة، بل وقد تدفعها الى التضاعف إذا تم استغلال الحدث على النحو الأمثل.
التقديرات المالية: من المتوقع أن تقدم المملكة العربية السعودية كأس العالم 2034 بتوفير 450 مليون دولار من التكاليف، مع تجاوز الإيرادات المتوقعة بنسبة 32 في المئة، أي ما يعادل 240 مليون دولار، وفقاً لتقرير من الفيفا. وتم تقييم تكاليف التنظيم بناءً على بطولات سابقة مع تعديلات للنسخة الموسعة التي تضم 104 مباريات و14 ملعباً، مع مراعاة التضخم والظروف المحلية. وأبرز الفيفا التسعير التنافسي للمملكة، حيث يُتوقع أن تكون تكاليف الخدمات الفنية والأمن أقل بـ 133 مليون دولار و58.9 مليون دولار على التوالي. بالمقارنة، أنفقت قطر نحو 220 مليار دولار على استضافة كأس العالم 2022، مع استثمارات ضخمة في البنية التحتية.
بهذه الصورة الشاملة، ستكون استضافة المملكة العربية السعودية لكأس العالم 2034 بمثابة تتويج رئيسي لرؤية 2030، ما يعزز من مكانة المملكة كقوة رياضية واقتصادية على الصعيدين الاقليمي والعالمي.


