تمزج أزمة لبنان المتعددة الأبعاد بين الشلل المؤسسي وتأثيرات البيئة الإقليمية والدولية المضطربة، بحيث أسفر هذا الواقع المركّب من تحقيق الإصلاح والتنمية عن تحديات استثنائية تحول دون تحقيقهما. وتُظهر هذه الأزمة بوضوح مدى تشابك العوامل الداخلية والخارجية، ما يضعف قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية أو مواجهة الأزمات المتكررة. وفي ظل هذا الواقع، أصبحت الحاجة إلى رؤية استراتيجية شاملة ضرورة مُلحة لإعادة بناء أسس الدولة. هذه الرؤية ينبغي أن تبدأ بتعزيز الاستقرار المالي والاقتصادي، مروراً بتحسين كفاءة المؤسسات والبنية التحتية، وصولاً إلى الاستثمار في الإنسان كركيزة أساسية للتعافي والتنمية المستدامة. ومع تصاعد التحديات، يبقى التحرك السريع والموجه نحو حلول جذرية وإصلاحية هو السبيل الوحيد للتخفيف من تداعيات هذه الأزمة.
التشخيص القطري للبنك الدولي
وفي هذا الإطار، تناول التشخيص القطري المنهجي (Systematic Country Diagnostic) الصادر حديثاً عن البنك الدولي حالتين رئيسيتين تعوقان النمو الشامل في لبنان، وهما:
- الشلل المؤسسي نتيجة نظام تقاسم السلطة الطائفي الذي قيد تطور النظام السياسي.
- البيئة الاقليمية والدولية المضطربة التي تؤثر سلباً على أي اتفاقات داخلية وتزيد من هشاشة الوضع اللبناني أمام التحديات الخارجية.
وبحسب التقرير، لطالما كان الشلل المؤسسي نتيجة محتملة لنظام تقاسم السلطة، إلا أن الأزمة الاقتصادية والمالية الحالية، التي استنزفت موارد الدولة بصورة غير مسبوقة، جعلت من هذا الشلل واقعاً حتمياً يجمّد النظام السياسي ويشلّ قدراته. ومع تحول الأزمة المالية إلى عبء دائم على الدولة بدلاً من كونها أداة لتحقيق المنافع الخاصة والفساد، فقدت القوى السياسية اهتمامها بالهيئات الحكومية وتخلت عنها كمصدر للريع السياسي. وقد أدى ذلك إلى حالة من الشلل المؤسسي، بحيث تهربت النخب السياسية من مسؤولياتها في التعامل مع التدهور الاقتصادي المتسارع.
كما أن هشاشة لبنان أمام القوى الاقليمية والدولية تجعله عرضة للصراعات والنفوذ الخارجي. وقد أظهرت الأحداث في المنطقة أن أي توافق داخلي في لبنان يستلزم توافقاً إقليمياً، وهو أمر يبدو بعيد المنال حالياً. وفي حين تؤدي الطبقة السياسية في لبنان دوراً سلبياً عبر ترسيخ الشلل المؤسسي بانتظار تغييرات في المناخ الدولي، فإن هذا النهج يفاقم الأوضاع الإنسانية ويعوق أي خطوات جدية نحو التعافي. ويؤدي هذا التفاعل بين القيدين الرئيسيين إلى عواقب إنسانية كارثية ويعوق بصورة كبيرة أي تقدم نحو التعافي، ناهيك عن التنمية المستدامة.
إطار استراتيجي لمعالجة الأزمة
قدم التشخيص نهجاً استراتيجياً لمعالجة التحديات الحرجة التي يواجهها لبنان، وطرح أربعة أهداف رئيسية تسعى إلى القضاء على الفقر وتعزيز الرخاء المشترك، وهي:
- استعادة الاستقرار المالي والاقتصادي الكلي.
- تحسين الحوكمة وتعزيز الوصول إلى الخدمات العامة.
- تعزيز مرافق البنية التحتية الأساسية.
- تحسين رأس المال البشري.
وحدد التقرير إحدى عشرة أولوية سياسية رئيسية لتحقيق هذه الأهداف، بما في ذلك الاصلاحات المالية والضريبية، وإصلاح الخدمة المدنية، والتحول الرقمي، وتحويل قطاع الطاقة، واستعادة تقديم الخدمات الاجتماعية مع توسيع نطاق الحماية الاجتماعية.
سيناريوهات المستقبل: تعايش أم تعافٍ؟
كما عرض تقرير البنك الدولي سيناريوهين لمستقبل لبنان:
- سيناريو “التعايش مع الأزمة” حيث يستمر الركود السياسي والاقتصادي في ظل غياب تقدم حقيقي نحو الاصلاح.
- سيناريو “التعافي”: حيث يتم تحسين صنع القرار وحل الأزمات من خلال إصلاحات جذرية.
وأشار التقرير إلى أن التحسينات التشغيلية في القطاعات المستهدفة ضمن سيناريو “التعايش مع الأزمة” ستؤسس قاعدة قوية لاستثمارات أوسع عندما تصبح الظروف مواتية لإجراء إصلاحات أعمق في سيناريو “التعافي”. علاوة على ذلك، هناك حاجة ملحة إلى خطط طوارئ قطاعية فورية للحفاظ على الخدمات الأساسية، بما في ذلك المرافق العامة والخدمات الحكومية والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، حتى في غياب إصلاحات شاملة. ويعد التركيز على التدخلات الطارئة في القطاعات الحيوية ذات القيمة المضافة العالية أمراً بالغ الأهمية، شريطة أن يتم ضمن إطار عملي وواقعي.
كما تعتبر تعبئة الإيرادات المحلية خطوة أساسية لضمان استدامة هذه الخدمات. ويُعد مسح القوى العاملة في القطاع العام خطوة أولى لتحديد الوظائف الحيوية واحتياجات الكفاءات، إضافة إلى تقييم تكلفة أي تعديلات طارئة على الرواتب والمزايا. وحتى تصبح الاستثمارات الواسعة النطاق والاصلاحات العميقة قابلة للتنفيذ، يمكن للتحسينات التشغيلية في مجالي الصحة والتعليم أن تساهم في الحفاظ على استمرارية الخدمات ضمن الامكانات المالية المحدودة المتاحة في سيناريو “التعايش مع الأزمة”. كما يشير التقرير إلى أن الجهود المبذولة في مجال التحول الرقمي داخل هذه القطاعات الحيوية وبينها يمكن أن تفتح آفاقاً اقتصادية ضرورية لاستمرار الخدمات، وتُعتبر أساساً لإصلاحات أعمق في المستقبل.


