تشير التوقعات الاقتصادية العالمية لعام 2025 إلى نمو اقتصادي معتدل ولكنه مستقر على الصعيد العالمي، مع تفاوتات ملحوظة بين الدول والمناطق. ووفقاً لتقرير الأمم المتحدة بعنوان “الوضع الاقتصادي العالمي وآفاقه 2025″، يُتوقع أن يبلغ النمو الاقتصادي العالمي 2.8 في المئة في 2025، وهو مستوى مشابه لما تحقق في العام 2023 والمُتوقع تحقيقه في 2024. وبينما يشهد بعض الاقتصادات الكبرى مثل الصين والولايات المتحدة تعافياً تدريجياً، تبقى التوقعات بالنسبة الى بعض الدول النامية، وخصوصاً الفئات الأقل دخلاً، أقل تفاؤلاً.
صمود الاقتصاد العالمي في 2024
على الرغم من الصدمات المتعددة والتشديد النقدي طويل الأمد، ظل الاقتصاد العالمي صامداً في 2024، متجنباً انكماشاً اقتصادياً واسع النطاق. ومن المتوقع أن يستمر النمو الاقتصادي العالمي في المدى القريب، لكن بوتيرة أضعف، مدعوماً بتخفيف التضخم والتسهيل النقدي في العديد من الدول. وبينما تستمر الصراعات والتوترات الجيوسياسية في زيادة التحديات، فإن ضيق الفضاء المالي والتحديات الديونية في البلدان النامية ستحد من قدرتها على تحفيز النمو واستثمارها في القدرات الانتاجية.
تزايد التحديات الهيكلية
على الرغم من التوسع المستمر، يُتوقع أن يواصل الاقتصاد العالمي النمو بوتيرة أبطأ من المعدل الذي سُجل في الفترة ما بين 2010 و2019 (والذي بلغ 3.2 في المئة قبل الجائحة). يعكس هذا الأداء الضعيف التحديات الهيكلية المستمرة مثل ضعف الاستثمار، وتباطؤ نمو الانتاجية، وارتفاع مستويات الديون، إلى جانب الضغوط الديموغرافية المتزايدة. ويستمر العديد من البلدان النامية في مواجهة آثار الجائحة والصدمات الأخيرة، ما يزيد من تعقيد محاولاته للتعافي. ومع إمكانات التحول الأخضر والتقدم التكنولوجي لتحفيز النمو، قد تتوزع الفوائد بصورة غير متناسبة بين الاقتصادات المتقدمة. في المقابل، يواجه العديد من الدول النامية تحديات كبيرة في تعبئة التمويل اللازم للاستثمار في البنية التحتية، والتكنولوجيا، ورأس المال البشري، إضافة إلى الانتقال إلى سلاسل القيمة في التصنيع والخدمات.
المخاطر الاقتصادية والآفاق الجيوسياسية
تظل المخاطر المرتبطة بالآفاق الاقتصادية القصيرة المدى مائلة نحو الجانب السلبي، على الرغم من تراجع حدتها مقارنة بالعام 2023. ومن بين الاتجاهات المواتية التي تمت ملاحظتها في 2024 استمرار تخفيف التضخم في معظم البلدان والتسهيل النقدي المستمر من البنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى، وهو تحرك طال انتظاره وساهم في تحسين البيئة المالية العالمية. مع ذلك، لا تزال حالات عدم اليقين تؤثر على الآفاق الاقتصادية القصيرة المدى، حيث لا يزال “مؤشر عدم اليقين الاقتصادي العالمي” و”مؤشر المخاطر الجيوسياسية” أعلى من المتوسطات التاريخية. ومع تراجع التضخم العالمي، تباطأ معدل التيسير النقدي، مدفوعاً بالأسعار الثابتة في قطاعات الاسكان والخدمات الأخرى في الاقتصادات المتقدمة. وفي حال عودة الضغوط التضخمية، فإن البنوك المركزية، خصوصاً في الاقتصادات الكبرى والمتقدمة، قد تُبطئ من وتيرة خفض الأسعار، ما يشير إلى أن معدلات السياسة النقدية قد تظل أعلى مما كانت عليه قبل الجائحة. وقد يؤدي هذا إلى استمرار تكاليف الاقتراض المرتفعة، وهو ما يزيد من صعوبة استدامة الديون، خصوصاً في الاقتصادات النامية التي تواجه خطر التخلف عن سداد الديون.
أهداف التنمية المستدامة: تحديات مستمرة
مع أن التحسن طفيف في بعض المؤشرات، يظل التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة غير كافٍ، خصوصاً بعد التأثيرات السلبية للجائحة. ففي العام 2024، عاد الفقر المدقع إلى مستويات ما قبل الجائحة، فيما تراجعت نسبة انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد من 29.1 في المئة في 2021 إلى 28.9 في المئة في 2023، على الرغم من أنها لا تزال أعلى من 25 في المئة التي سُجلت في 2019. ومع هذه التحسينات، لا يزال العديد من البلدان الضعيفة يواجه تحديات كبيرة، ومن المتوقع أن تتفاقم هذه التحديات بسبب التغير المناخي المتزايد، ما يزيد من تعقيد جهود التعافي.
الاستثمار العالمي: تحسن طفيف وسط تحديات
بعد فترة من الركود استمرت عامين، شهد الاستثمار العالمي نمواً يقدر بنحو 3.4 في المئة في 2024، على الرغم من التباينات الاقليمية الكبيرة. ففي الاقتصادات المتقدمة، تراجع النشاط الاستثماري، خصوصاً في الاستثمارات السكنية في أوروبا واليابان خلال النصف الأول من العام 2024، بينما حافظت الولايات المتحدة على نمو قوي في جميع القطاعات، بما في ذلك الهياكل السكنية وغير السكنية، والمعدات، والملكية الفكرية. في المقابل، حافظ العديد من الاقتصادات النامية مثل الصين والهند والمكسيك على نمو استثماري قوي، في حين واجهت الدول الافريقية استثمارات عامة محدودة بسبب أعباء خدمة الديون المرتفعة. كما شهدت منطقة غرب آسيا نمواً استثمارياً منخفضاً في ظل تراجع إيرادات النفط.
التجارة العالمية: انتعاش بعد الركود
شهدت حركة التجارة العالمية انتعاشاً ملحوظاً، بحيث ارتفعت بنسبة 3.4 في المئة في 2024 بعد أن كانت 0.9 في المئة في 2023، مدفوعةً بتعافي التجارة في السلع. وأظهرت الصين والولايات المتحدة واقتصادات شرق آسيا أداءً قوياً في تصدير الآلات والالكترونيات، بينما شهدت أوروبا انخفاضات واسعة في هذا المجال. وفي ظل تراجع أسعار السلع، انخفضت صادرات إفريقيا وأميركا اللاتينية من حيث القيمة. في المقابل، نمت تجارة الخدمات بنسبة 6.4 في المئة في 2024، وتمثل الآن نحو 25 في المئة من التجارة العالمية. كما بلغ عدد الوافدين الدوليين للسياحة، وهو مؤشر رئيسي لتجارة الخدمات، نحو 1.4 مليار في 2024، ما يمثل تعافياً شبه كامل من مستويات ما قبل الجائحة. ومن المتوقع أن تنمو حركة التجارة العالمية بنسبة 3.2 في المئة في 2025، على الرغم من أن هذه التوقعات قد تكون عرضة للشكوك المتزايدة بسبب تصاعد التوترات الجيوسياسية وظهور الحواجز التجارية الجديدة.


