زيادة النقل والأجور تشعلان الدولار

اقتصاد 30 تشرين الأول , 2021 - 12:01 ص

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

يهدد الارتفاع المستمر والجنوني في أسعار المحروقات حياة معظم اللبنانيين الذين يعانون من تدهور حاد في قدرتهم الشرائية، مع اشتداد رياح الانهيار التي طالت كل القطاعات من دون استثناء. من ارتفاع كلفة الكهرباء واشتراك المولدات وسعر قارورة الغاز وربطة الخبز والغلاء الفاحش في أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية من دون أي رقيب ولا حسيب، يدور المواطن في فلك مجهول، إذ بات الحد الأدنى للأجور لا يكفيه لشراء صفيحة بنزين وقارورة غاز وخبزه اليومي.

كل الخيارات صعبة وموجعة

وعن زيادة تعرفة بدل النقل والحد الأدنى للأجور والوقت الزمني لتحقيقهما، يقول الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين في حديث لـ"موقع لبنان الكبير"، إن رفع الحد الأدنى للأجور هو أمر معقد وطويل، لأنه يتطلب الأخذ بعين الاعتبار احتساب نسبة التضخم التي وصلت إلى 220 في المئة، ونسبة ارتفاع الأسعار التي سجلت 677 في المئة خلال العامين الماضيين. وبما أن هذه النسب غير مستقرة في ظل ارتفاع سعر صرف الدولار، فإن ذلك يخلق أسعاراً جديدة تكاد تكون يومية. ومن هنا كان التوجه في الاجتماع الأول للجنة المؤشر، نحو رفع بدل النقل المعتمد إلى 65 ألف ليرة عن كل يوم عمل، ورفع بدل المنح التعليمية من مليون ليرة إلى مليوني ليرة (في المدارس الرسمية مهما كان عدد الأولاد)، ومن مليونين إلى أربعة ملايين ليرة (في المدارس الخاصة مهما كان عدد الأولاد). أما لناحية المساعدة الطارئة التي سوف تعطى شهرياً، فلا يزال هناك نقاش حول قيمتها (مليون أو مليون وثلاثمئة ألف) ومن سيستفيد منها، إذ بقي النقاش معلقاً حتى الأربعاء المقبل من أجل بتّه. ويقول شمس الدين، عند الانتهاء من حل هذه الأمور العالقة، حينها من المفترض أن يبدأ المواطن الاستفادة بداية شهر كانون الأول المقبل. وبحسب شمس الدين، سيحصل القطاع العام على القيمة عينها كتلك التي سيحصل عليها القطاع الخاص كبدل نقل (65 ألف ليرة)، لكن سيُعتمد مبدأ الشطور، مؤكداً أن كل الخيارات صعبة وموجعة لا سيما أن الدولة للأسف إما إلى طبع المزيد من العملة الوطنية لتأمين الموارد المالية لتغطية هذه النفقات، وبالتالي المزيد من التضخم، أو إلى فرض الضرائب والرسوم (تفوق قدرة المواطن على دفعها)، مشيراً إلى أنهما ليسا بالخيارين السهلين، لكن في الوقت عينه الابقاء على هذا الحد من الأجور هو إجحاف بحق المواطنين. لذا، ستعمد الدولة إما إلى الانخراط في مرحلة لمدة 6 أشهر أو سنة، يتم خلالها منح هذه الزيادات والمساعدات الاجتماعية، وبعد انقضاء هذه المهلة، تكون الأمور اتّضحت أكثر لناحية تصحيح الأجور، والمسار الذي سيسلكه سعر صرف الدولار.

الحد الأدنى العادل للأجور

ولدى السؤال عن قيمة الحد الأدنى العادلة للأجور، رفض شمس الدين الدخول في لعبة تحديد الأرقام، لكنه أشار إلى أن كلفة المعيشة من مأكل ومشرب ومواد غذائية واستهلاكية وتنظيفية، لعائلة من 4 أفراد تبلغ 3 ملايين ليرة ونصف مليون شهرياً، ويجب إضافة عليها أكلاف أخرى تختلف من فرد إلى آخر كالسكن والنقل والتعليم والصحة، مما يعني مبالغ عالية جداً. على سبيل المثال، ربطة الخبز أصبحت بـ7 آلاف ليرة (العائلة تحتاج إلى ربطة يومياً أي ما يعادل 30 ربطة شهرياً بنحو 200 ألف ليرة). وعن الخطوات التي يجب اتخاذها من أجل لجم ارتفاع الدولار، ولا سيما أن طبع المزيد من الليرة وما لها من آثار تضخمية، ستنعكس سلباً عليه. يقول شمس الدين، يجب إعادة الثقة بالتزامن مع ضخ مصرف لبنان للدولارات الموجودة لديه وعدم إبقائها محجوزة، بل يجب إعطاؤها للمصارف كي تقوم هي بدورها لمنحها للمودعين، كمدخل للاستقرار، تليها خطة صندوق النقد الدولي من أجل تعويم الليرة ووضع سعر محدد لها.

البطاقة التمويلية... أمل بعيد

هل هناك أمل بإقرار البطاقة التمويلية قريباً؟ يستبعد شمس الدين ذلك، معتبراً أنه حتى لو أقرّت فسيكون ذلك لمدة شهرين فقط من أجل إرضاء الناس انتخابياً. فالبطاقة التي أقرت في تموز الماضي تعاني من مشكلتين رئيسيتين. الأولى تتمثل في مصدر تمويلها والذي سيكون عبر طبع المزيد من الليرة أو استخدام قرض البنك الدولي المخصص للنقل بقيمة 295 مليون دولار إلا أن هذه الخطوة تحظى بمعارضة، ولا سيما أن النقل هو أولوية وأهم من البطاقة. أما المشكلة الثانية فتتمثل في الجهة التي ستستفيد منها، لأن كل شيء في لبنان يذهب مناصفة، وهنا أصبحنا في السياسة. وبرأي شمس الدين، فإن هذه البطاقة قد لا تبصر النور إلا قبيل الانتخابات ومن ثم سيتم وقف العمل بها، متسائلاً عن المعايير التي ستعتمد لإحصاء الأسر ومن سيقوم بهذه العملية، وماذا لو أن الأرقام لم تكن مناصفة بين الطوائف.

سياسات خاطئة ومقصودة

دائماً هناك وعود لكن من دون أي تنفيذ على أرض الواقع، وغالباً ما تبقى حبراً على ورق، ويبقى المواطن هو الخاسر الأكبر، فهل سيستطيع المواطن تحمل المزيد من الأسابيع للَمْس أي تحسن؟ يعتبر شمس الدين أن المشكلة الأساسية كانت تتمثل في عملية الدعم، مشيراً إلى ثلاثة أشكال من الدعم تشمل دعم السلعة، دعم الأفراد، ودعم النقد. لبنان ذهب إلى خيار دعم السلع وكان خياراً باعتقاده خاطئاً، لأنه لا يمكن معرفة من يستهلك هذه السلع. وبحسب شمس الدين، كان يجب في ظل الانهيار الاقتصادي الذي حصل أن تدعم كل المواد لمدة شهر أو شهرين إلى حين إيجاد الحلول وليس الذهاب بهذه السياسة إلى الآخر. فالدعم الذي بدأ في أيار 2020 كلّف لبنان 15 مليار دولار استفاد منه التجار والمهربون والمحتكرون فقط، في حين لو أعطى مصرف لبنان هذه المليارات إلى المصارف واسترجعت الناس ودائعها بالعملة الأجنبية لما ارتفع الدولار هكذا. ورأى شمس الدين أن منح المصارف الودائع على سعر صرف 3900 بقرار من المركزي ضغط على الدولار صعوداً، ولا يوجد حل لتهدئة سعر الصرف إلا عبر ضخ مصرف لبنان المزيد من العملة الصعبة في السوق يومياً وبقيمة كبيرة، لأن الهدف هو تخفيض الدولار وليس الدعم، مشيراً إلى أن السعر الاقتصادي للدولار يراوح بين الـ ٥ والـ ٧ آلاف ليرة كحد أقصى. كما أن السيولة النقدية بالليرة اللبنانية والتي ارتفعت من 4 آلاف مليار إلى 40 مليون مليار تجعل سعر الصرف غير مستقر. ويصف شمس الدين هذه السياسات المتبعة بالخاطئة، مؤكداً أنها لم تكن عن غباء أو سوء إدارة، بل كانت مقصودة لكي تصل الأمور إلى ما هي عليه اليوم.

ما هي الأولويات اليوم؟

وعن ترتيب الحلول بحسب الأولويات، يقول شمس الدين، يجب البدء من تنفيذ خطة النقل العام المشترك، حينها مهما بلغ سعر صفيحة البنزين، فإن ذلك لن يؤثر في المواطن لأنه سيكون لديه العديد من وسائل النقل البديلة، تزامناً مع حل مشكلة الكهرباء، لانهما مترابطان ومتزامنان مع بعضهما ولا سيما أن تأمينهما سيخفف من الكلفة على المواطن، مشيراً إلى أن طبيعة لبنان الجغرافية تسمح له ببناء السدود في عدة مناطق تولد له الماء من أجل الري وتوليد الكهرباء 24/24 خلال عامين. ومن ثم وضع خطة تصحيحية مع صندوق النقد الدولي لدعم الليرة وتوفير الاستقرار لها، حينها تبدأ الأسعار بالانخفاض ويشعر المواطن بتحسن ملحوظ.

كل شيء في لبنان أصبح خارج السيطرة، إلا الإصرار على عدم تنفيذ الحلول والهروب منها عبر أساليب أقل ما يقال عنها أنها إجرامية كارثية، فالحلول دائماً موجودة ولم تغب يوماً عن ساحة الإنقاذ لكن ينقصها الإرادة والقرار السياسي، وعدا عن ذلك سيبقى لبنان في حالة الانهيار هذه.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us