هل يكسر الاقتصاد اللبناني دائرة الأزمات ويبدأ فصل التحول الجديد؟

سوليكا علاء الدين

يشهد لبنان تسارعاً ملحوظاً في المتغيرات السياسية والاقتصادية، ما يفتح أمامه آفاقاً واعدة لفرص حقيقية قد تشكل بداية تحول اقتصادي جذري، يمثل نقطة انطلاق حاسمة نحو تحقيق التعافي المنشود. وعلى الرغم من أن الاستطلاعات والتقارير الأخيرة تكشف عن مؤشرات أولية تشير إلى بداية هذا التحول، إلا أن الطريق نحو التعافي لا يزال محفوفاً بالعديد من التحديات. فلبنان لا يزال عالقاً في سلسلة من العقبات التي تعرقل تقدمه، أبرزها الاستقرار السياسي والأمني الهش، بالاضافة إلى تراكم الأزمة المالية التي تعوق جميعها تنفيذ الاصلاحات الضرورية. ومن هنا، يُصبح مسار التعافي الاقتصادي مرهوناً بصورة مباشرة وفعّالة بإيجاد حلول جذرية لهذه الأزمات المتشابكة، والتي تشكل حجر الزاوية في تحقيق أي نمو مستدام.

نمو خجول بعد انكماش

في هذا السياق، يتوقع استطلاع أجرته وكالة “بلومبرغ” شمل أربعة بلدان إقليمية (لبنان، الأردن، المغرب، تونس) أن يحقق الاقتصاد اللبناني نمواً حقيقياً بنسبة 1.5 في المئة في العام 2025، بعد انكماش حاد في 2024 بسبب تأثيرات الحرب الأخيرة. وتشير التوقعات إلى أن النمو سيسجّل زيادة تدريجية ليصل إلى 4.4 في المئة في 2026، ثم إلى 5.1 في المئة في 2027، ما يعكس إمكان عودة الثقة بالاقتصاد بشرط التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي وبدء تنفيذ الاصلاحات المالية والنقدية اللازمة.

ويتوقع البنك الدولي نمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي بنسبة 4.7 في المئة في 2025، بعد انكماش كبير بلغ 7.1 في المئة في 2024، ما يُظهر تراجعاً تراكمياً يقارب 40 في المئة منذ العام 2019. ويُعزى هذا التحسن النسبي إلى الاستقرار الأمني والسياسي الذي شهدته البلاد بعد انتهاء الصراع الاقليمي، بالاضافة إلى انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة ذات توجه إصلاحي.

التضخم.. العائق الأكبر

في المقابل، يظل معدل التضخم المرتفع من أبرز التحديات الاقتصادية المتوقعة في المدى القريب، بحيث يُتوقع أن يصل إلى 16.8 في المئة في العام 2025، مع توقع انخفاضه تدريجياً إلى 14.2 في المئة في 2026، ثم إلى 9.2 في المئة في 2027، وفقاً لتوقعات “بلومبرغ”.

كذلك، تكشف تقديرات البنك الدولي أن لبنان بدأ بالخروج من دائرة التضخم المفرط خلال العام 2024. فقد بلغ متوسط التضخم السنوي 45.2 في المئة، وهو أدنى مستوى منذ العام 2020، وذلك نتيجة التحسن إلى استقرار سعر الصرف الذي أسهم في تقليص معدلات التضخم بصورة ملحوظة.

ويُلاحظ البنك تحولاً جوهرياً في هيكلية التضخم، بحيث أصبحت غالبية مكونات مؤشر الأسعار مقوّمة بالدولار. وهذا يدل على أن التضخم بات مرتبطًا بصورة وثيقة بتقلبات سعر الصرف المحلي، بدلاً من أن يتأثر مباشرة فقط بالعوامل التضخمية العالمية. استناداً إلى هذه المعطيات، يتوقع البنك الدولي أن ينخفض التضخم إلى 15.2 في المئة في العام 2025، شرط استقرار سعر الصرف واستمرار انخفاض الضغوط التضخمية العالمية. وعلى الرغم من أن هذا التوقع يُعطي بصيص أمل، إلا أنه يبقى مشروطاً بعوامل داخلية وخارجية تظل تحدد مسار التعافي الاقتصادي في لبنان.

العجز الجاري والمالي: ضغوط مزدوجة

على صعيد آخر، تشير التوقعات إلى أن الحساب الجاري سيعاني من عجز بنسبة 15.0 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي في 2025، ليُتوقع انخفاضه تدريجياً إلى 14.0 في المئة في 2026. بدوره، يتوقع البنك الدولي استمرار العجز في الحساب الجاري عند مستوى مرتفع يصل إلى 15.3 في المئة في العام 2025، مدفوعاً بصورة رئيسية بالفجوة الكبيرة في الميزان التجاري، وذلك على الرغم من تحسّن المؤشرات الاسمية نتيجة الزيادة في قاعدة الناتج المحلي الاجمالي.

أما في ما يتعلق بالعجز في المالية العامة، فمن المرجح أن يبلغ نحو 1.0 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي في العام 2025، مع توقّع ارتفاعه إلى 1.7 في المئة في العام 2026.

تحوّل مشروط بالإصلاح

تُظهر الآفاق الاقتصادية للبنان صورة معقدة ومتناقضة تعكس واقعاً اقتصادياً متأرجحاً. فمن جهة، تلوح في الأفق فرص حقيقية لبدء مسار تعافٍ تدريجي، ما يبعث على التفاؤل الحذر. لكن من جهة أخرى، لا تزال التحديات الهيكلية العميقة تشكل عقبات جوهرية تهدد بفرملة هذا التعافي وتقويض استدامته على المدى الطويل، الأمر الذي يضع الاقتصاد اللبناني أمام اختبار حاسم في المرحلة القادمة.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال الأهم: هل يمتلك لبنان الارادة السياسية الكافية والدعم الدولي المطلوب، لترجمة هذه المؤشرات والتوقعات إلى خطوات اصلاحية حقيقية وملموسة تُسهم في بناء أسس قوية للتعافي المستدام؟

شارك المقال