نافذة صندوق النقد لا تُغني عن أبواب الخليج

اقتصاد 12 تشرين الثانى , 2021 - 12:03 ص

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

يسعى لبنان إلى استئناف مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي خياراً وحيداً من أجل استعادة النهوض الاقتصادي، إذ تنتظر حكومة الرئيس نجيب ميقاتي رحلة محفوفة بالمخاطر بسبب عدم استقرار الأوضاع السياسية التي أطاحت اجتماعاتها منذ نحو الشهر. ميقاتي الذي أعلن مطلع الأسبوع الجاري سير المحادثات الأولية مع صندوق النقد الدولي بشكل جيد وفي اتجاهها الصحيح، كشف عن خطة تعاف معدلة ستكتمل نهاية هذا الشهر، تتضمن للمرة الأولى أرقاماً موحّدة حول الخسائر المالية علّها تكون مدخلاً للتوصل إلى اتفاق يسمح للمانحين بتقديم المساعدات المالية اللازمة.

كلام ميقاتي الذي كان من المفترض أن يُلقي بظلاله الإيجابية، عكّر وقعه استفحال الأزمة اللبنانية مع دول الخليج التي تتّسع رقعتها في ظل مخاوف من أن تكون كل هذه القرارات المتخذة مقدمة لما هو غير متوقع. كيف سينعكس تأزم العلاقات اللبنانية الخليجية على مسار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي؟ هل خسر لبنان دعم الخليج المالي كأبرز الدول المانحة؟ وما هي مصير أموال سيدر المقدمة من دول الخليج؟ ما هو البديل من أموال دول الخليج في حال رفضت تقديمها كجزء من مساعدة الصندوق المالية للبنان؟ هل ستؤثر الازمات السياسة وعدم انعقاد الجلسات الحكومية في إطالة فترة التفاوض مع الصندوق أو حتى في انطلاقتها؟ وهل تسقط خطة ميقاتي التي ستكتمل نهاية الشهر الجاري في فخ الفشل السياسي من جديد؟ أسئلة حملها موقع "لبنان الكبير" إلى الأستاذ الجامعي والاستشاري في الشؤون المالية والإدارية الدكتور مروان قطب.

المذكرة في مهب الريح

بحسب قطب، تشير بعض المصادر الاقتصادية إلى أن عملية التفاوض بطيئة ولا تتم إلا في إطار المساعدة التقنية "Technical Support" للدولة اللبنانية، وليس في إطار المفاوضات الرئيسية معه تمهيداً لمنحه القروض الميسرة التي يحتاج إليها، معبراً عن تفاجئه بكلام رئيس الحكومة الذي أشار فيه إلى أن المفاوضات مع الصندوق قائمة وأصبحت في مراحل متقدمة إذ سيتم إعداد مذكرة تفاهم معه نهاية الشهر الجاري. وفي هذا الإطار، يرى قطب وجود عائقين رئيسيين أمام هذه المذكرة:

- الأول: وجود حكومة تجتمع بشكل دوري من أجل الموافقة عليها ومن ثم توقيعها، متسائلاً هل الحكومة اليوم قادرة على عقد اجتماعاتها بشكل طبيعي في ظل وجود ثلاثة ملفات شائكة تعيق سير عملها هي تحقيقات المرفأ، وأحداث الطيونة - عين الرمانة، وتصريحات وزير الإعلام جورج قرداحي، مشيراً إلى عدم وجود أي أفق لعودة هذه الاجتماعات، مما يجعل أمر هذه المذكرة في مهب الريح. هذا واستبعد قطب ألا يتصرف صندوق النقد باحترافية وأن يقبل وضع مذكرة تفاهم مع حكومة يُدرك سلفاً أنها غير قادرة على الاجتماع.

- الثاني: لا يمنح صندوق النقد الدولي قروضاً إلا بناءً على شروط معينة وبالاستناد إلى برنامج اقتصادي واضح، علماً أن هذه القروض تُمنح على مراحل متلاحقة، إذ سيحصل لبنان عليها تباعاً وسيكون كل قرض مرهوناً بتنفيذ جزء من الخطة حصراً وإلا لن يحصل على قيمة القرض التالي. كما أن هذا البرنامج يحتاج إلى تدخل من الحكومة ومجلس النواب، مما يعني أنه بحاجة إلى توافقات سياسية غير متوافرة في الوقت الراهن.

المفاوضات ليست لمصلحة السياسيين

هل اتخذت حكومة نجيب ميقاتي أي خطوات إيجابية في هذا الموضوع؟ يقول قطب إن الخطوة الإيجابية التي قامت بها الحكومة عبر رئيسها هي السعي الجدي لتوحيد الأرقام والخسائر المالية بعد أن كانت هناك تباينات واضحة في الخطة التي قدمتها الحكومة السابقة، والتي نتجت من وجود توجهين مختلفين تماماً في ما يتعلق بالخسائر الواقعة في الاقتصاد اللبناني، إذ تمثل التوجه الأول بجماعة العهد ومستشاريه وحكومة حسان دياب، في حين شمل التوجه الآخر مصرف لبنان وجمعية المصارف. وهذا كان سبباً رئيسياً في فشل المفاوضات حينها لأن الفروقات كانت شاسعة وجوهرية ليس في الأرقام فحسب وإنما في الحلول والاقتراحات أيضاً، فكان مطلب الصندوق الرئيسي توحيد الخسائر المالية قبل بدء عملية التفاوض. ويعتقد قطب أنه ليست لمصلحة الأفرقاء السياسيين اليوم البحث في عملية التفاوض مع صندوق النقد الدولي وإقرار متطلباته ومستلزمات منحه ما يحتاجه لبنان من قروض، مشيراً إلى أن الصندوق لن يطلب في برنامجه الإصلاحي تعويم الليرة فوراً، إنما على الأقل توحيد أسعار صرف الدولار، إقرار الموازنة العامة وقانون الكابيتال كونترول (إجراءات تتطلب حكومة ومجلس نواب)، ضبط الإنفاق العام وترشيده وترشيق القطاع العام، تعزيز الإيرادات العامة (عبر فرض ضرائب جديدة أو زيادة معدلاتها) وهذا أمر غير مرغوب فيه شعبياً ومن المستبعد أن يقرّ في مجلس النواب على المدى القصير.

 تفعيل الاقتصاد من دون الخليج سيتعثر

أما في ما يتعلق بالدول الخليجية، يقول قطب: "إن صندوق النقد يمنح القروض من موارده الخاصة وليس عبر تجميعها من الدول المانحة، صحيح أن هناك مساهمة مالية من كبرى الدول لكن يملك استقلالية مالية وإدارية، علما انه مهما كان المبلغ المالي الذي سيمنحه الصندوق فإن ذلك لن يكفي لإنعاش الاقتصاد، فلبنان بحاجة إليه كخطوة ابتدائية فقط، والمطلوب تفعيل دورة اقتصاده الطبيعية التي تتفاعل وتُنتج ذاتياً".

ووفقاً لقطب، فإن اقتصاد لبنان قائم على الخدمات، ومن دون دول الخليج فإن هذا الاقتصاد لا يمكن أن يعمل بشكل طبيعي سواء بالنسبة للصادرات والتحويلات المالية وتوظيف العمالة اللبنانية في الخارج، لأن ذلك سيوقعه في مأزق اقتصادي كبير جداً وسيعطّل مسار النهوض مجدداً. أما بالنسبة إلى أموال سيدر، فإن دول الخليج في الوقت الحالي سترفض إعطاء الودائع والقروض الميسرة أو أي مساعدة مالية بعد هذه القطيعة التي بدأت بوادرها تبرز بشكل تصاعدي، وبالتالي سيخسر لبنان جزءاً كبيراً من أموال هذا المؤتمر الداعمة له والمشروطة بخطة إصلاحية على مستوى الإدارة العامة اللبنانية التي يصعب تنفيذها في ظروف. كهذه

حتى تاريخه لا توجد بدائل عن أموال الخليج التي لطالما شكّلت أسواقها وبيئتها الميزات التفاضلية لصادرات لبنان ويده العاملة. فخسارة لبنان الرسمي اليوم مزدوجة وعلى أكثر من نطاق وصعيد، وهو الذي خيّب أمل الخليج في الحد من التدخلات العسكرية خارج نطاق حدود الوطن، تماماً كما خيّب أمل شعبه في الابتعاد عن كل ما يضر به وبمستقبله. وإن كان يُعوّل على نافذة صندوق النقد الدولي من أجل المساعدة مالياً، فإن هذا حتماً لن يكفيه ما دامت أبواب الخليج مُغلقة أمامه.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us