يشهد لبنان منذ نهاية عام 2019 موجة تضخمية متصاعدة تعكس عمق الأزمة الاقتصادية والمالية والنقدية التي يمر بها، والتي انعكست بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، وأسعار السلع والخدمات في السوق المحلي. ففي حزيران 2025، سجل مؤشر أسعار المستهلك ارتفاعًا سنويًا بنسبة 7.8 في المئة مقارنة بالشهر ذاته من العام السابق، ما يؤكد استمرار الضغوط التضخمية على الاقتصاد الوطني.
أسباب التضخم المرتفع
تعود وتيرة التضخم المرتفع في لبنان إلى مجموعة من العوامل المترابطة. في مقدمتها، الارتفاع الكبير في نسبة المكوّنات المستوردة داخل الاقتصاد، ما جعل الأسعار المحلية شديدة الحساسية لتقلبات سعر صرف الدولار الأميركي في السوق الموازية، إضافة إلى الارتفاع العالمي في أسعار السلع الأساسية. وقد انعكس ذلك بوضوح على أسعار الأغذية والمشروبات التي زادت بنسبة 4.5 في المئة على أساس سنوي، مع تفاوتات كبيرة بين المجموعات الغذائية؛ إذ ارتفعت أسعار الفواكه بنسبة 52.4 في المئة، وبعض المنتجات الغذائية الأخرى بنسبة 30.2 في المئة، فيما شهدت أصناف كالخضراوات والزيوت والدهون والبيض ومنتجات الألبان تراجعًا نسبيًا.
ثانيًا، أدى التدرّج في تعديل الأسعار بالليرة اللبنانية إلى محاولة تعويض الخسائر الناجمة عن الانخفاض الحاد في سعر صرف الليرة بين عامي 2019 و2023، ما دفع العديد من الشركات والمؤسسات إلى رفع أسعار منتجاتها وخدماتها، بالتوازي مع زيادة الضرائب والرسوم لتعزيز الإيرادات الحكومية الحقيقية. ويتضح هذا الأمر في قطاع التعليم الذي شهد ارتفاعًا غير مسبوق بلغ 30.5 في المئة على أساس سنوي، مدفوعًا بزيادة رسوم الدراسة بنسبة 45.5 في المئة.
ثالثًا، هناك عوامل هيكلية أعمق أشار إليها وزير الاقتصاد والتجارة عامر بساط، الذي أكد أن معالجة التضخم تتطلب حلولًا جذرية شاملة، بعيدًا عن المعالجات الجزئية قصيرة المدى.
تطورات التضخم حسب الفئات
لم يكن التضخم موحدًا بين مختلف السلع والخدمات. فقد سجلت أسعار الملابس ارتفاعًا بنسبة 14.7 في المئة، مدفوعة بزيادة أسعار الأحذية بنسبة 29 في المئة. أما فئة السكن، فقد شهدت ارتفاعًا معتدلًا بنسبة 3.3 في المئة نتيجة زيادة تكاليف الصيانة والطاقة المنزلية. في المقابل، استقرت أسعار بعض الخدمات مثل اشتراكات المياه ورسوم البلديات.
وفي السلع الاستهلاكية المعمرة، برزت زيادات حادة في بعض الفئات مثل البياضات (+58.2 في المئة) والمنتجات المنزلية المتنوعة (+11.8 في المئة)، فيما تراجعت أسعار الأجهزة المنزلية والأواني الزجاجية. أما الرعاية الصحية، فارتفعت بنسبة 3.5 في المئة، مدفوعة بزيادة تكاليف التأمين الصحي وخدمات العيادات والأدوية.
جهود الحكومة
رغم محدودية الموارد، تبذل وزارة الاقتصاد جهودًا لحماية المستهلك عبر تكثيف عمليات التفتيش على الأسواق ومراقبة التزام التجار بالأسعار. فمنذ بداية العام، نفذت الوزارة أكثر من 16,400 عملية تفتيش، أسفرت عن نحو 530 إجراءً قانونيًا. ويؤكد بساط أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تبقى غير كافية وتحتاج إلى توسيع النطاق والدعم المؤسسي.
كما شدد على ضرورة تعزيز الشفافية في تحديد الأسعار، ووضع معايير مرجعية ثابتة كأدوات رئيسية لمكافحة التضخم، مشيرًا إلى إعادة تفعيل المجلس الوطني لسياسة الأسعار، إلى جانب تفعيل قانون المنافسة عبر إنشاء إدارة متخصصة للحد من الاحتكار والممارسات غير العادلة التي تدفع الأسعار إلى الارتفاع.
التحديات الهيكلية وآفاق التضخم
على الرغم من الخطوات المتخذة، يظل التضخم في لبنان أسير تحديات هيكلية عميقة تتطلب إصلاحات اقتصادية ونقدية شاملة، تشمل رفع إنتاجية القطاعات المحلية، وتحسين بيئة الأعمال، ودعم القطاعات الإنتاجية لتقليص الاعتماد على الاستيراد.
كما أن الاستقرار النقدي والمالي يبقى رهينًا بتقلبات سعر صرف الليرة أمام الدولار، ما يستدعي اعتماد سياسات نقدية صارمة تعيد الثقة بالعملة الوطنية وتحد من المضاربات في السوق الموازية.
إلى جانب ذلك، يفاقم ارتفاع الأسعار من معاناة الفئات الأكثر هشاشة، ويزيد من معدلات الفقر، ما يفرض ضرورة وضع سياسات حماية اجتماعية فعالة تخفف من وطأة التضخم على الأسر، وتحافظ على الحد الأدنى من مستوى المعيشة الكريم.
في المحصلة، يبقى الهدف المنشود هو الوصول إلى “تضخم صحي” ومستدام، عبر مزيج متكامل من السياسات النقدية والمالية والاجتماعية، يعيد لبنان إلى مسار التعافي الاقتصادي، ويحمي القدرة الشرائية للمواطنين، ويعزز مرونة الاقتصاد وقدرته على مواجهة الأزمات.


