في أيام الرحمة وقبل إشراقة 17 تشرين كانت تكلفة النقل من حلبا الى بيروت ذهاباً وإياباً لا تتعدى العشرة آلاف ليرة لبنانية في حافلات النقل العمومي، ومن الجديدة إلى بعبدا لم تكن تتخطى الأربعين ألفاً.
جاءت الانتفاضة وتغيّر عالم التعرفة ليواكب الدولار، إذ كانت الرحلة اليومية من حلبا الى بعبدا تنطلق بركوب حافلة الى نهر الموت في المتن مقابل أجرة قدرها 200 ألف ليرة، وبعدها سيارة أجرة وصولاً الى منطقة الشيفروليه مقابل 300 ألف ليرة، وبعدها الى بعبدا بالأجرة نفسها. هذا هو الحال اليومي لطالب لبناني منذ انطلاق الرحلة إلى جامعته من حلبا باتجاه بعبدا.
وبعملية حسابية بسيطة يكون قد دفع في اليوم الواحد ذهاباً وإياباً، نحو مليون و600 ألف ل.ل، ويضاف اليها كلفة المأكل والمشرب يومياً.
بدأ الصعود التدريجي لسعر تعرفة النقل العمومي تزامناً مع الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار، الى أن أصبحت تكلفة النقل 100 و150 ألف ليرة في الفان العمومي بعد أن كانت التعرفة قبل انتفاضة السابع عشر من تشرين لا تتعدى من طرابلس الى بيروت الـ 1500 في الباص والـ 3000 في الفان العمومي.
كشفت أزمة الدولار الغطاء عن فساد جذري في القطاعات كافة ومنها النقل العمومي، وأشار رئيس اتحادات ونقابات قطاع النقل البري بسام طليس في حديث لموقع “لبنان الكبير” إلى أنَّ “مشكلة قطاع النقل البري هي ارتباطه المباشر بسعر صرف الدولار، ولكي تستطيع وزارة الاشغال العامة والنقل حل مشكلة التسعير المتفلّت لتعرفة النقل عليها تنظيم قطاع النقل البري وتنفيذ قواعد مزاولة نشاطاته”.
وكشف رئيس اتحاد الولاء للنقل البري أحمد الموسوي لـ”لبنان الكبير” عن “أزمة كانت مختبئة خلف الوضع المستقر لسعر صرف الدولار، حينها كان المواطنون يلجؤون في أغالبية تنقلاتهم إلى سيارات الأجرة أو سياراتهم الخاصة مبتعدين عن استعمال حافلات النقل المشترك بجميع فئاتها”.
وبرأيه فان “عدم تنظيم القطاع من وزارة الأشغال والنقل أدى الى حدوث أزمة الوقود المرتبطة بارتفاع سعر صرف الدولار، التي جعلت كل محطة نقليات تسعِّر وفقاً لما تراه ملائماً لمصلحتها الآنية، ومع ذلك لا تزال قلة قليلة من أصحاب النقليات تراعي ظروف المواطن”.
عدم الاهتمام المتعمّد بقطاع النقل البري أفقر ايضاً العاملين في هذا القطاع، فضلاً عن الانعدام الكلّي لأي تخطيط من شأنه تفعيل دور وسائل النقل وإدماجها في شبكة طرق حديثة تسهّل حركة مرور كل المواطنين.
وغياب وزارة الأشغال والنقل عن هذا الملف يزيد الأزمة تفاقماً، إذ اعتبر طليس أن “الوزارة يجب أن تشرف على فك ارتباط تعرفة النقل بسعر صرف الدولار من خلال تحديد سعر معين لصفيحة البنزين والمازوت تلزم بها السائق وتحاسبه على مخالفتها”.
فيما شدد الموسوي على أن “تعرفة النقل لا تحددها اتحادات أو نقابات، بل تحددها وتطبِّقها وزارة الأشغال العامة والنقل، تبعاً لسبعة عشرعنصراً أهمها تطبيق غرامات مخالفة شروط التراخيص والتصاريح والاشراف على تطبيق تعرفات وأجور النقل وتشجيع المنافسة ومنع الاحتكار. فهذا القطاع كان ولا يزال رهناً بتسلّط تجار الفيول بنفوذهم واختراق أصحاب الباصات والفانات غير القانونية غير آبهين لمخالفتهم قانون العمل وقانون السير في هذا الخصوص، مهمّشين حاجات حافلاتهم لأي نوع من أنواع الصيانات”.


