“ترانس أوشن” باخرة أمل عمرها طويل وأجلها مبهم

ساريا الجراح

الأعتدة جاهزة، والأنظار كلها اليوم على باخرة “ترانس أوشن” التي وصلت إلى المياه الاقليمية اللبنانية، وما يحمله البلوك رقم 9 من آمال قد تنبت من بين الصخور لاضاءة ما تبقّى من لبنان. “ترانس أوشن” شركة دولية رائدة في مجال تقديم خدمات الحفر البحرية لآبار النفط والغاز، متخصصة في القطاعات ذات المتطلبات الفنية في أعمال الحفر البحرية العالمية مع التركيز خصوصاً على خدمات الحفر في المياه العميقة والبيئات القاسية، بالاضافة الى أنها تدير أحد أساطيل الحفر البحرية الأكثر تنوعاً في العالم. وتمتلك الشركة حصصاً ملكية جزئية وتشغل أسطولاً مؤلفاً من 37 وحدة حفر بحرية متنقلة بما في ذلك 27 عوامة فوق المياه العميقة، و10 عوامات بيئية قاسية. في العام 2010 تورطت “ترانس‌ أوشن” في حادث تسرب نفطي نتج عن احدى حفاراتها أثناء تنقيبها عن النفط في خليج المكسيك، وفي العام 2016 أزيلت أسهمها من مؤشر السوق السويسرية.

في مطلع أيار، أعلنت شركة “توتال إنرجي” الفرنسية بالاتفاق مع شركائها “إيني” الايطالية و”قطر إنرجي” توقيع عقد مع شركة “ترانس أوشن”، التي أجرى وفدها محادثات مع المسؤولين اللبنانيين لتكوين ملف عن كل ما هو مطلوب من إجراءات إدارية وقانونية ومالية للبدء بعملية حفر البئر في المربع 9. لم تتوانَ الباخرة عن العمل فأبحرت من مياه بحر الشمال باتجاه المياه اللبنانية، لبدء الحفر. وتعاقب أكثر من وزير على تولي ملف الطاقة، ومضت 7 أعوام على بدء العمل الجدي فيه بالتزامن مع مباشرة كل من إسرائيل وقبرص العمل نفسه.

يؤكد خبير الغاز نادر صفا لـ “لبنان الكبير” أن نتيجة التنقيب تطابق ما حصل في البلوك رقم 4، بحيث تنتهي الاستعدادات اللوجيستية والتقنية وتبدأ رحلة التمهيد للعملية الاستكشافية وليس الانتاجية، مشيراً الى أن المواطنين يجهلون الفرق بين الاثنتين، فما ستقوم به الباخرة اليوم يسمّى “حفر بئر استكشاف”، أي العملية التي تحصل للتأكيد على حجم الكميات واحتمالية وجود الغاز فيها، أما الثانية فهي عملية ما بعد التأكد من حفر البئر الاستكشافية.

ويكشف صفا استراتيجية الخطوات التي ستتم قبل ظهر اليوم، شارحاً انطلاقة البدء بحفر بئر استكشافية ومن ثم الانتظار مدة ستة أشهر لتخمير النتائج حول احتمالية وجود ثروات تجارية، وعلى أثرها ينطلق لبنان في عمليات التطوير وصولاً الى “الانتاج”، موضحاً أنه “اذا لم تكن هنالك كميات تجارية فسنتّجه فوراً الى حفر بئر استكشافية أخرى، وكل التعاميم الصادرة والمنتشرة بين الناس ما هي الا تضليل وتعظيم لا صحة لها ولا وقت”. ويشدد على أن الوصول الى مخطط “استخراج النفط” يحتاج الى ثلاث سنوات أقلها، ولا يعنينا اختيار الشركة بقدر مراقبتها على الأراضي اللبنانية، وما على الشركة المعنية الا تطبيق عملية التنفيذ.

وعن امكان إخلال الشركة بالاتفاق، يجيب صفا: “هذا الاتفاق يحصل بين شركة توتال وترانس أوشن، وعليها الالتزام بالشفافية في العمل والقوانين المنظمة وعلى رأسها قانون النفط”.

وفي السياق نفسه، تقول خبيرة البترول ديانا القيسي لـ “لبنان الكبير”: “ان الانتظار لمعرفة ما اذا تم العثور على كمّية النفط  في البلوك 9 لن يعود علينا بعائدات قبل ست أو سبع سنوات، ولا يمكننا الانتظار والتمسك بعائدات لا نعرف كميتها ونستند اليها بهدف تسديد ديوننا أو صرفها على قطاعات لا تساعد على التنمية المستدامة”.

“حماية الثروة الطبيعية هي أولويتنا” تؤكد القيسي، مشيرة الى أن “الاصلاحات التي طلبها صندوق النقد الدولي مالية كانت أم اقتصادية هي السبيل الوحيد للخلاص، كما أن معالجة مسألة الدين هي بند أساس يجب الاطلاع عليه قبل التفكير في كيفية صرف عائدات النفط والغاز. فلا نزال في مرحلة الاستكشاف حتى الآن والفرص لا تتعدى نسبة الـ20%، لكن هذا لا يعني أن مساحة البلوك بأكملها فارغة، انما الخطأ يكمن في شركة توتال التي رسّمت البلوك ولم تصب المكمن”.

وتعتبر أن “من الضروري معرفة أن نتحدث عن نوعية التنقيب الذي يخرق شقوق الصخور التي تحمل الغاز والنفط. كما أن التخوف من فقدان ارادة الشركات في البحث عن الغاز أصعب بكثير من عدم وجوده، خصوصاً أن هذه الشركات تتعامل مع بلد يعاني من انهيار اقتصادي وشغور رئاسي واضطراب أمني”.

وتكشف القيسي أن المسوحات الزلزالية التي تعرض لها لبنان أذابت جليد المكامن وأظهرته ولكن بهدف “قطع الشك باليقين” نلجأ الى التنقيب كما حصل في حقل “ظهر” في مصر حيث استغرقت الشركات قرابة العشر سنوات من التنقيب ولم تستطع ايجاد أي بصيص نفطي واحد، حتّى أقدمت شركة “آلي” وأحدثت الفرق في ظرف شهرين. كل هذا يشير الى أن تحديد الهدف أهم بكثير من البدء بالعمل. وترى أن هذه الفرصة “ذهبية” ويجب أن نستغلها لتنظيم أمور الداخل والتقيد بالاصلاحات التي ستضمن رغبة الشركات في التنقيب مرة أخرى.

فرضية أن لا تطول مدّة انتظار النتائج المرجوّة التي تعلّق عليها بعض الآمال مؤقتة، لأنها ليست الحل لبلد منهوب بكلّ ثرواته، كما أن الحصول على الغاز لن يكون قبل 10 سنوات لصالح الصندوق السيادي، أي أن بين الأمل وفقدانه “أوشن”.

شارك المقال