التجارة العالمية تتجه نحو نمو قوي في العامين المقبلين

هدى علاء الدين

تبشر التوقعات بانتعاش محتمل للتجارة العالمية في العامين المقبلين، بحيث يتوقع خبراء الاقتصاد نمواً ملحوظاً في حجم تجارة البضائع. ففي العام 2024، من المتوقع أن ينمو حجم تجارة البضائع بنسبة 2.6 في المئة. في العام 2025، يتوقع أن يزداد النمو قوة، اذ ينتظر أن تصل نسبة نمو تجارة البضائع إلى 3.3 في المئة، مقارنة بنمو بلغ 1.2 في المئة فقط العام الماضي.

ووفقاً للمنظمات الدولية، من المتوقع أن يتضاعف نمو التجارة العالمية هذا العام مع تراجع التضخم وازدهار الاقتصاد الأميركي الذي يساعد في دفع النشاط التجاري. وبعد تباطؤ عام 2023 بسبب ارتفاع الأسعار وزيادة أسعار الفائدة وتراجع الطلب، تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية انتعاشاً حاداً في حركة السلع العالمية هذا العام.

وأظهر تقرير “آفاق واحصاءات التجارة العالمية” الصادر عن منظمة التجارة العالمية (WTO) تسجيل تجارة الخدمات العالمية نمواً هائلاً بنسبة 9 في المئة في العام 2023. ويعود هذا الانتعاش القوي بصورة أساسية إلى عاملين رئيسيين هما تعافي السفر الدولي بعد تخفيف القيود المفروضة على التنقل الدولي، ما أدى إلى زيادة الطلب على الخدمات المرتبطة بالسفر مثل النقل والإقامة والضيافة، والطلب المتزايد على الخدمات الرقمية بما في ذلك خدمات الحوسبة السحابية وخدمات البرمجة والاستشارات الرقمية.

وتتوقع المنظمة أن يؤدي انخفاض الضغوط التضخمية إلى زيادة الطلب على السلع المصنعة، لا سيما في الاقتصادات المتقدمة. وتشير المؤشرات المبكرة إلى ارتفاع طلبيات التصدير الجديدة، ما يوحي بانتعاش النشاط التجاري. وعلى الرغم من محدودية التأثير الاقتصادي للاضطرابات الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط حتى الآن، إلا أن القطاعات التي تعتمد على طرق الشحن الفاعلة، مثل صناعة السيارات والتجزئة، قد شهدت بالفعل تأخيرات وارتفاعاً في تكاليف الشحن.

وفي تحليل إقليمي، قالت منظمة التجارة العالمية إن من المتوقع أن تشهد إفريقيا أسرع نمو للصادرات (5.3 في المئة) في العام 2024، لكن هذا يأتي من قاعدة أساسية أقل بسبب الآثار المترتبة على الجائحة. ومن المتوقع أن تتخلف أوروبا عن المناطق الأخرى بنمو متوقع يبلغ 1.7 في المئة فقط. ويعكس هذا النمو البطيء التأثير المستمر لارتفاع أسعار الطاقة والحرب في أوكرانيا.

وذكر التقرير أن أوروبا كانت أكبر مساهم من أي منطقة في نمو حجم التجارة العالمية في العام 2022، لكنها كانت أيضاً المسؤولة الأساسية عن التراجع في العام 2023. ويفسر تأثير المنطقة الكبير على تجارة البضائع جزئياً بحصتها الضخمة في التجارة العالمية (37 في المئة لكل من الصادرات والواردات) بحيث يتم احتساب التجارة الداخلية للاتحاد الأوروبي في إجماليات التجارة الاقليمية والعالمية.

وعلى الرغم من ذلك، إلا أن منطقة اليورو، برزت فيها التجارة كمحرك رئيسي للنمو خلال الربع الأول من العام 2024، بحيث سجلت المنطقة زيادة بنسبة 0.3 في المئة عن الربع السابق، وهي الأقوى منذ الربع الثالث من العام 2022. وبحسب التقرير، فإن أحد العوامل المهمة الأخرى وراء نمو التجارة هو عدد الفعاليات الرياضية التي ستقام في أوروبا خلال الصيف. وتجذب هذه الفعاليات السياح من مختلف أنحاء العالم، ما يساهم بدوره في تنشيط حركة التجارة. ويلعب تخفيف متطلبات التأشيرة من العديد من الدول الأوروبية دوراً مهماً في تعزيز هذا النمو. فقد سهّل ذلك على الزوار من مختلف الجنسيات دخول القارة وحضور الفعاليات الرياضية، الأمر الذي أدى إلى زيادة الإنفاق السياحي بصورة ملحوظة.

وعلى الرغم من التوقعات المتفائلة لنمو التجارة خلال صيف أوروبا، إلا أن منظمة التجارة العالمية تحذر من مخاطر محتملة قد تعوق هذا النمو. وتشمل هذه المخاطر:

  • التوترات الجيوسياسية: تُشير المنظمة إلى أنّ التوترات المتزايدة بين الدول الكبرى، مثل الحرب في أوكرانيا، قد تُلقي بظلالها على حركة التجارة الدولية، ما قد يؤثر سلباً على النمو المتوقع في أوروبا.
  • عدم اليقين بشأن السياسات: تحذر المنظمة أيضاً من أن عدم اليقين بشأن السياسات التجارية، مثل التغييرات المحتملة في القوانين واللوائح، قد يُثبط الشركات عن الاستثمار والتجارة، وبالتالي تباطؤ النمو.
  • ارتفاع الحمائية التجارية: تُشير المنظمة إلى أن اتجاه بعض الدول نحو اتباع سياسات تجارية حمائية، مثل فرض رسوم جمركية مرتفعة على السلع المستوردة، قد يعوق حركة التجارة الدولية ويؤثر سلباً على النمو في أوروبا.

وعلى الرغم من أن اقتصادات آسيا استمرت في توفير أكبر حصة من السلع المصنعة من أي منطقة في العام 2023، فإن نمو حجم التجارة الثابت لهذا العام يعني أن مساهمة المنطقة في نمو التجارة كانت ضئيلة للغاية. وإذا تحقق توقع المنظمة لعام 2024، فستساهم آسيا أكثر في نمو تجارة البضائع مقارنة بالعامين الماضيين. ومن المتوقع أن تضيف المنطقة حوالي 1.3 نقطة مئوية إلى النمو المتوقع البالغ 2.9 في المئة في الصادرات العالمية هذا العام، أو حوالي 45 في المئة.

ومع ذلك، من المتوقع أن تشهد جميع المناطق الأخرى نمواً أقل من المتوسط في الواردات، بما في ذلك أميركا الجنوبية (2.7 في المئة) والشرق الأوسط (1.2 في المئة) وأميركا الشمالية (1 في المئة) وأوروبا (1 في المئة).

سياسات تجارية منفتحة

شدد تقرير منظمة التجارة العالمية على أهمية الحفاظ على سياسات تجارية منفتحة لتعزيز النمو الاقتصادي والرفاهية، وكذلك تخفيف المخاطر مثل التوترات الجيوسياسية وتجزئة التجارة لضمان بيئة تجارية مستقرة ويمكن التنبؤ بها.

ومع ذلك، يمكن أن يكون لتجزئة سياسات تدفق البيانات تأثير سلبي كبير. وحذرت أعمال سابقة لخبراء اقتصاديين في منظمة التجارة العالمية من أن انفصال الاقتصاد العالمي إلى تكتلات جيوسياسية يمكن أن يقلل من الناتج المحلي الاجمالي العالمي بنسبة 5 في المئة على المدى الطويل. وقالت منظمة التجارة العالمية إن دراسة قادمة ستصدر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة التجارة العالمية تقدر انخفاضاً محتملاً بنسبة 1.8 في المئة في التجارة العالمية و1 في المئة في الناتج المحلي الاجمالي العالمي إذا تم تنفيذ مثل هذه السياسات.

شارك المقال