حرب الحدود تضرب لبنان: توقعات مظلمة لنمو الاقتصاد

هدى علاء الدين

توجه حرب الحدود ضربة قوية الى الاقتصاد اللبناني، بحيث تتزايد التوقعات بالتبعات السلبية على النمو الاقتصادي. وعلى الرغم من أن تأثيرات الصراعات الاقليمية على الوضع الاقتصادي للبنان لها تاريخ طويل، إلا أن الأحداث الأخيرة تزيد من توتر الوضع وتثير المخاوف بصورة متزايدة.

وفي هذا الاطار، رفعت شركة الأبحاث “بي.إم.آي”، التابعة لـFitch Solutions، توقعات انكماش اقتصاد لبنان إلى حوالي 1.5 في المئة مقارنة بالتقدير السابق البالغ 0.5 في المئة. ويرجع هذا التعديل إلى الاشتباكات المستمرة والمتصاعدة على الحدود في الجنوب بين “حزب الله” وإسرائيل.

ويُعزى تعديل توقعات “بي.إم.آي” إلى استبعاد فرضية تخفيف حدة هذه الاشتباكات أو توقفها في النصف الأول من العام الحالي، على عكس توقعاتها الأولية.

وأكدت الشركة أن هذه المراجعة تجعل نظرتها أكثر تشاؤماً حيال نمو الاقتصاد اللبناني مقارنة مع إجماع محللي السوق الذين يتوقعون نمواً بمعدل 0.5 في المئة هذا العام.

كما أوضحت أن لبنان سيستمر في تكبد المزيد من الخسائر الاقتصادية المباشرة نتيجة للأعمال العدائية المستمرة، مع استمرار اضطراب النشاط الاقتصادي في الجنوب اللبناني. وفي الوقت نفسه، أشارت إلى نزوح أكثر من 90 ألف شخص وتضرر العديد من الأنشطة التجارية التي اضطرت إلى الاغلاق منذ 14 أيار الماضي، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة.

وأوضحت الشركة أن الاشتباكات تسببت أيضاً في وقوع أضرار مادية تجاوزت قيمتها 1.5 مليار دولار، وفقاً لبيانات مجلس الجنوب اللبناني. بالاضافة إلى ذلك، قدّرت السلطات الخسائر في القطاع الزراعي بنحو 2.5 مليار دولار بسبب تدمير الأراضي التي كانت جاهزة للحصاد نتيجة للضربات الاسرائيلية. وكان جزء كبير من هذه الأراضي مخصصاً للتصدير، بحيث تُسهم الصادرات الزراعية في نحو سبعة في المئة من إجمالي الصادرات اللبنانية.

وتوقعت “بي.إم.آي” أن تستمر هذه الخسائر في التزايد في الربعين الثاني والثالث من العام الجاري في ظل استمرار الصراع بين الطرفين.

ضربة للسياحة

وأشارت الشركة إلى أن التصعيد المتزايد خارج منطقة الجنوب سيؤثر بصورة كبيرة على موسم السياحة الصيفي، حيث يُعتبر هذا القطاع من القطاعات الرئيسية التي ساهمت في عملية التكيف الاقتصادي التي بدأت البلاد تشهدها خلال العامين الماضيين، اذ تجاوز صافي تدفقات السياحة حوالي الملياري دولار خلال عامي 2022 و2023، لتعود إلى مستوى عام 2019.

وتوقعت الشركة تراجعاً ملحوظاً في عائدات السياحة هذا العام، بوتيرة أكبر من التراجع الذي شهدته خلال حرب تموز في العام 2006 مع إسرائيل، بعد تحذير العديد من الدول مواطنيها من السفر إلى لبنان. وأظهرت أحدث البيانات انخفاضاً بنسبة 5.9 في المئة في إجمالي السياحة الوافدة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، على الرغم من أنه كان من المتوقع أن تشهد هذه الفترة قفزة في عدد الزوار نظراً الى عطلات الأعياد.

ورجحت أن تنخفض عائدات السياحة بصورة ملحوظة هذا العام وبوتيرة أكثر حدة مما كانت عليه خلال حرب تموز عام 2006 مع إسرائيل، بعد أن نصح العديد من الدول مواطنيه بعدم السفر إلى لبنان.

وقالت إن أحدث البيانات تظهر أن إجمالي السياحة الوافدة تراجع 5.9 بالمئة على أساس سنوي في الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، وهي فترة كان من المفترض أن تشهد قفزة في عدد الزائرين في ظل حلول عطلات دينية رئيسية خلالها مثل عيد الفصح وعيد الفطر.

تخفيض توقعات التضخم

وأشارت إلى أن هذه العوامل ستزيد من تفاقم الأزمات الاقتصادية والمالية المستمرة، والتي بدأت بالظهور في نهاية العام 2019، ما يقلل من تأثير الانخفاض السريع في معدل التضخم واستقرار قيمة العملة إلى حد ما. وأوضحت أن تلاشي تأثيرات مرتبطة بفترة الأساس ناتجة عن التعديلات الكبيرة في زيادة الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة ورسوم الاتصالات والكهرباء والرسوم الدراسية خلال العام 2023، أدى إلى انخفاض معدل التضخم إلى مستويات أقل من 100 في المئة لأول مرة منذ تموز العام 2020.

وقالت إن هذه العوامل دفعتها إلى خفض توقعاتها لمتوسط معدل التضخم في 2024 من 85.4 في المئة إلى 51 في المئة.

مخاطر انكماش الاقتصاد

توصلت “بي.إم.آي” إلى استنتاج بأن مخاطر حدوث انكماش اقتصادي أكبر من 2 في المئة لا تزال مرتفعة، وعزت ذلك إلى أن رؤيتها الأساسية ما زالت تستبعد اندلاع حرب شاملة بين “حزب الله” وإسرائيل، لكن توسُّع نطاق القتال إلى مناطق خارج الجنوب اللبناني يظل خطراً قائماً.

ونبّهت على أن وقوع مثل هذا التصعيد قد يؤدي إلى تكبد أضرار لبنية أساسية رئيسية مثل المطار، وإحداث اضطرابات اقتصادية أوسع نطاقاً في جميع أنحاء البلاد، بالاضافة إلى زيادة التضخم مرة أخرى وتراجع قيمة الليرة مقابل الدولار بسبب ارتفاع الطلب على العملة الأجنبية.

في المقابل، رأت شركة الأبحاث أنه في حال استقرار الوضع الأمني، أو إذا اعتبر اللبنانيون المغتربون البلاد مكاناً آمناً للسفر إليه خلال فصل الصيف، فقد يشهد لبنان طفرة في الحجوزات السياحية في اللحظة الأخيرة وزيادة في أعداد الزوار.

شارك المقال