أبقت وكالة “فيتش” للتصنيفات الإئتمانية، تصنيف لبنان عند مستوىRD “تعثّر مقيّد”، ما يعني أن تخلفه عن سداد ديونه طويلة الأجل بالعملة الأجنبية غير قابل للعلاج. وأعلنت أنها ستوقف إصدار تصنيفات جديدة للبنان، نظراً الى أنها لم تعد تملك معلومات تكفي لاستمرارها في التقييم.
والتصنيف الإئتماني مصطلح يشير الى عملية مراجعة يتم من خلالها تحليل الوضع المالي للدولة، وذلك لتحديد الأهلية وقدرة الجهة الخاضعة للتصنيف على الإقتراض والوفاء بسداد ديونها. وهو يظهر القوة المالية للحكومة، لذا تأخذه جهات الإقراض الدولية في الإعتبار عند اتخاذ قرارها بشأن منح تمويل للدولة. أما “فيتش”، فهي وكالة عالمية رائدة في مجال خدمات المعلومات المالية، وثالث أهم وكالة تصنيف ائتماني في العالم من حيث رقم مبيعاتها وحصتها في السوق، وتعمل في أكثر من خمسين بلداً حول العالم.
وأوضح الخبير الاقتصادي والدكتور المحاضر في الجامعة اللبنانية أحمد جابر لـ “لبنان الكبير” أن تصنيف وكالة “فيتش” ليس وليد هذا العام، فلبنان صنِّف على مستوى الدفع المقيّد منذ العام 2020، ويستمر التصنيف حتى عامنا الحالي. وهذا الوضع، الذي وصفه جابر بـ “حالة عدم اليقين” سيؤدي حتماً الى تراجع الاستثمارات وإضعاف النمو الإقتصادي في البلاد، ما يعني خسارة الثقة أو المصداقية بالدولة اللبنانية.
ويعود السبب الأساسي لهذه المشكلة، الى اتخاذ حكومة حسان دياب قراراً بوقف دفع سندات اليوروبوندز في السابع من آذار 2020. وعلى إثر قرار الحكومة، بدأ لبنان يشهد مرحلة انهيار حقيقي وفقدان للثقة المالية، بحيث غدت قيمة سندات اليوروبوندز 31 ملياراً و314 مليون دولار أميركي متوجبة الدفع لغاية حزيران 2024.
وبالعودة الى بداية تراكم هذه المستحقات، فقد بلغت في آذار 2020 ملياراً و200 مليون دولار وفي نيسان 2020 بلغت 700 مليون دولار وفي حزيران من العام نفسه بلغت 600 مليون دولار. وفي العام 2021، كان هنالك استحقاق واحد بقيمة مليارين و92 مليون دولار، وفي العام 2022 استحقاقان بقيمة مليارين و40 مليون دولار، كذلك عام 2023 مع استحقاقين بقيمة مليار و600 مليون دولار. أما العام الحالي، فثلاثة استحقاقات بقيمة مليار و488 مليون دولار أميركي.
ولم يحصل توقف عن دفع السندات وحسب، بل عن دفع خدمة الدين أيضاً أو خدمة هذه السندات، أي الفوائد. مع العلم أنه بمجرد التوقف عن الدفع، تستحق كل السندات مهما كانت فترة استحقاقها، وبهذا نصبح مطالبين بـ 31 ملياراً و314 مليوناً منذ آذار 2020، بقيمة تشكل 35% من مجمل الدين العام. ومع إضافة مجموع الفوائد خلال خمس سنوات، في الفترة الممتدة بين آذار 2020 حتى آذار 2025، البالغ حوالي 10 مليارات دولار، تصبح قيمة سندات اليوروبوندز المتوجبة على لبنان 41 مليار دولار.
وباءت جميع محاولات الحكومة بالفشل إزاء محاولة معالجة الموضوع، وهي مساعٍ غير جدية اقتصرت على محاولة حكومة حسان دياب آنذاك، التفاوض مع الدائنين لكنها سقطت على الفور مع إسقاط خطة التعافي في لجنة المال والموازنة، فضلاً عن محاولة رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، إنهاء ملف الدين الخارجي، أي الدين بواسطة سندات اليوروبوندز، من خلال قيام مصرف أجنبي بشراء القسم الأكبر من السندات التي يحملها أجانب. كما جرت محاولات تفاوض في مرحلة لاحقة، لتوقيع “اتفاق أولي على مستوى الموظفين” مع صندوق النقد الدولي، الا أنها لم تفضِ الى نتيجة.
ويبقى التعويل على القوانين والمشاريع الإصلاحية، في ظل إعلان صندوق النقد الدولي في أيار، أن الاصلاحات التي اتخذها لبنان حتى الآن غير كافية لإنتشال البلاد من الأزمة الاقتصادية، لكن تبقى المساعي الحقيقية والجادة في مفاوضة الدائنين على سداد هذا المبلغ، أو إعادة الجدولة متذرعين بـ “فترة السماح” مع فوائد أقل، حبل النجاة لاستعادة الثقة بلبنان شيئاً فشيئاً.
فهل ستتحقق الجهود الحكومية المرجوّة لإنقاذ لبنان خصوصاً في ضوء زيارة حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري الى واشنطن، وعقده عدة لقاءات بغية استرجاع مصداقية البلاد المالية، أم أن لبنان متجه نحو المزيد من الانحدار الاقتصادي؟


