في تقرير متعلق بلبنان، اعتبرت مؤسسة التصنيف الائتماني العالمية “إس آند بي غلوبال S&P Global”، أن الضعف في الحوكمة وفاعلية المؤسسات المنخفضة هما من أسباب الأزمة الاقتصادية المستمرة في البلاد، متوقعة أن تتراجع قيمة الليرة أمام الدولار، من 92 ألف ليرة كسعر صرف متوقع نهاية العام الحالي، الى 115 ألف ليرة عام 2025 والى 136 ألف ليرة مقابل الدولار الواحد عام 2026.
الخبير الاقتصادي محمد فحيلي وصف أرقام التقرير بأنها “غير واقعية”، موضحاً لموقع “لبنان الكبير” أن “مكونات المجتمع اللبناني، من أفراد ومؤسسات، تأقلمت مع التغييرات الاقتصادية، فالعديد من المؤسسات خفف مصاريفه التشغيلية، والكثير من الأفراد أعاد النظر في سلة استهلاكه لتتناغم مع قدرته الشرائية. والدولة أيضاً أيقنت أنها لن تستطيع التمسك باعتماد الليرة اللبنانية ودعم الدولار بصورة عشوائية، خصوصاً وأن هذا الدعم استهلك الجزء الأكبر من احتياطي مصرف لبنان بالعملة الأجنبية، فاذا استمر لبنان في هذا المسار المعتَمد منذ 2019 الى اليوم، نحن مقبلون على تحسن، بغضّ النظر عن الأداء السياسي الفاشل”.
اقتصاد القطاع الخاص أصبحت لديه مناعة ضد الفساد والأداء السياسي عموماً، حتى في الآونة الأخيرة، استطاع الاقتصاد اللبناني استيعاب التدهور الأمني في الجنوب، كما استوعب قلة عدد السائحين مقارنة بالعدد المتوقع، بحسب ما أكد فحيلي، قائلاً: “لسنا في نطاق الحديث عن نمو لأن الاقتصاد اللبناني لا يملك بعد الجهوزية للنمو، لكننا لسنا في حالة تدهور لأن لبنان استطاع التاقلم مع المتغيرات الاقتصادية وأثبت قدرة استثنائية على الصمود”، وهو ما يناقض تحذير الوكالة من تصاعد التوقعات الجيوسياسية، في إشارة الى المخاطر المرتفعة الناتجة عن استمرار المواجهات بين إسرائيل و”حزب الله”.
وتوقعت الوكالة عدم تحقيق تقدم كبير في الاصلاحات أو إعادة هيكلة الديون في القريب العاجل، لافتة الى أن بعض التحليلات مبني على بيانات مضللة ويخضع لدرجة عالية من عدم اليقين بسبب عدم توافر البيانات المالية التي يعتمد عليها. وفي هذا الاطار، أشار فحيلي الى أن “تصنيف العملة اللبنانية بأنها قابلة للانهيار أكثر من الآن وحتى العام 2027، في بداية تقرير الوكالة، مبني على معلومات قد تكون مضللة وهناك علامات استفهام كثيرة حول البيانات المالية التي نحصل عليها من لبنان”، معتبراً أنه “كان من الأفضل أن تسير S&P على خطى مؤسسة فيتش للتصنيف الائتماني العالمي، والتي امتنعت عن اصدار جداول ائتمانية للبنان بسبب عدم توافر بيانات المالية والمعلومات”.
واذ لفت فحيلي الى أن “اقتصاد لبنان لا يوفر المعلومات الكافية للقيام بتحليلات وبناء توقعات”، وصفه بـ “الرمال المتحركة” القابلة للتحرك في أي اتجاه، مشدداً على أنه لا يعطي أهمية كبيرة للتقرير “فلا يمكن أن ننسى تقرير الفاريز اند مارسال للتدقيق الجنائي، الذي منع أي جهة من الاعتماد على توصياته للادعاء على أي شخص أو مكون تم ذكره في التقرير، الذي يعتمد على معلومات ناقصة نتيجة عدم تأمين مصرف لبنان البيانات المطلوبة، كما رفض طلب المقابلات الحية مع 39 موظفاً ومديراً، سامحاً بمقابلة 9 منهم فقط وعن طريق المراسلة”.
كذلك رجّح التقرير انخفاض التضخم من 200 بالمئة تقريباً في العام الماضي، الى رقم مزدوج هذا العام، نتيجة للدولرة، ما اعتبره فحيلي أمراً طبيعياً لأن “مكونات المجتمع اللبناني، خصوصاً القطاع الخاص، اعتمدت الدولرة على صعيد الايرادات والنفقات، حتى الدولة تحولت نحو الدولرة في موازنة 2024، وأصبحت الكتلة النقدية الممولة للاقتصاد اللبناني بالدولار، كذلك ضبطت هذه الضغوط التضخمية”.
ورأى أن “لبنان في وضع جيوسياسي متأزم جدّاً، وهو حال وضع العملة أيضاً، وكونه يستورد نحو 70 بالمئة مما يستهلك وما يذهب كمواد أولية في الصناعة المحلية، فاننا نستورد التضخم الموجود في الخارج، اضافة الى أن كلفة الشحن الى لبنان من بوالص تأمين وشحن ترتفع بسبب الوضع الجيوسياسي وهي ذاهبة نحو المزيد من الارتفاع”، موضحاً أن “التوقعات التضخمية، مقارنة بالوضع الأمني، قابلة للارتفاع بالتأكيد، فضلاً عن عامل أخير هو غياب الدولة عن مراقبة الاحتكار، فصحيح أننا نشهد تعديلات طفيفة نوعاً ما على الأسعار بالدولار، لكنها تساعد في خلق أجواء قد تنتج عنها ضغوط تضخمية كبيرة. والجزء الأكبر من المجتمع اللبناني المتأثر بهذه الضغوط، هو الذي لا يزال مدخوله بالليرة اللبنانية”.
وكانت وزارة المالية ردت في بيان توضيحي الخميس، على تقرير “إس آند بي غلوبال”، أوضحت فيه أن “الوزارة سعت إلى تزويد المؤسسة بالمعطيات المتوافرة حول التطورات على صعيد المالية العامة في ما خص وضعية الدين العام، والإدلاء بالتوضيحات اللازمة كافة لإفساح المجال لمؤسسة التصنيف في القيام بعملية التقييم بأفضل الظروف”.
وأضافت: “الى جانب العوائق الادارية من ناحية الامكانات البشرية والتكنولوجية التي تقلّصت لدى وزارة المالية على أثر الأزمات الخانقة التي مرّت بها البلاد، فإن التقلبات الحادة في أسعار الصرف كما وتعدد هذه الأسعار خلال الأعوام السابقة حال دون امكان الوزارة نشر أرقام تعكس الواقع الحقيقي. ولهذا تبذل وزارة المالية الجهود كافة لإزالة العوائق، حتى تتمكن من إعادة نشر الوضعية المالية شهرياً وفق المعايير المعتمدة دولّياً، وذلك بمساعدة من الجهات المموّلة ومساندة من أخصّائيين في هذا المجال”.
لم يقتصر حال الضياع الاقتصادي على الداخل اللبناني وحسب، بل بات اقتصاد لبنان محط تناقض وعدم يقين دوليين أيضاً، في ظلّ التوقعات المتأرجحة بين التشاؤم أحياناً والتفاؤل أحياناً أخرى.


