الحرب تُخفّض التصنيف الائتماني لاسرائيل وتزيد من ديونها

هدى علاء الدين

في ظل الحرب المستمرة وتداعياتها الاقتصادية العميقة، تواجه إسرائيل تحديات متجددة تهدد استقرارها المالي والاجتماعي. فقد أسفرت التطورات الجيوسياسية المتفاقمة، بما في ذلك الحرب مع “حماس” ومؤخراً مع “حزب الله”، عن خفض التصنيف الائتماني لإسرائيل من وكالة “موديز” للمرة الثانية هذا العام، الأمر الذي يعكس تصاعد المخاطر الاقتصادية وزيادة حالة عدم اليقين.

وفي وقت يشهد فيه النمو الاقتصادي تباطؤاً ملحوظاً تتزايد تكاليف الحرب، التي تجاوزت 250 مليار شيكل (67.6 مليار دولار)، ما دفع الحكومة إلى الاعتماد بصورة أكبر على الاقتراض لتمويل مجهودها الحربي. ويشير الخبراء إلى أن استجابة الحكومة لهذه التحديات لا تزال قاصرة، ما يثير مخاوف متزايدة من تدهور مستويات المعيشة وهروب رؤوس الأموال، وسط غياب رؤية واضحة لنهاية هذه الحرب.

موديز” تخفض التصنيف الائتماني

خفضت وكالة “موديز” تصنيف إسرائيل الائتماني للمرة الثانية هذا العام، مشيرةً إلى تزايد المخاطر الجيوسياسية والنزاع المستمر مع “حزب الله” في لبنان، بحيث انتقلت الوكالة بتصنيف إسرائيل من A2 إلىBaa1، وهو انخفاض كبير بمقدار درجتين، مع الإبقاء على النظرة المستقبلية سلبية. ويثير هذا التخفيض قلقاً بشأن قدرة إسرائيل على إدارة مالياتها والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي في ظل استمرار الحرب مع “حماس” و”حزب الله”، من دون أي أفق واضح لإنهاء النزاع.

كما أشارت “موديز” إلى تكاليف الحرب المتزايدة، التي تجاوزت 250 مليار شيكل. ومع حاجة الحكومة الاسرائيلية الى الاعتماد على الاقتراض بصورة أكبر لتمويل جهودها الحربية، من المرجح أن يؤدي هذا التخفيض إلى زيادة تكاليف الاقتراض، ما يجعل من الصعب على إسرائيل خدمة ديونها. وحذرت الوكالة من أن الجمع بين التعافي الاقتصادي البطيء، وزيادة الإنفاق العسكري، والنزاع الممتد قد يرفع نسبة ديون إسرائيل إلى نحو 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنةً بالتوقعات السابقة التي كانت تشير إلى 50 في المائة.

وأعربت “موديز” أيضاً عن شكوكها بشأن قدرة إسرائيل على العودة إلى النمو الاقتصادي كما حدث بعد النزاعات السابقة. وتتوقع الوكالة الآن أن ينمو الاقتصاد الاسرائيلي بنسبة 0.5 في المائة فقط في العام 2024، وهو تعديل حاد عن توقعات النمو السابقة البالغة 4 في المائة. وأشارت إلى تراجع الثقة في الأعمال، واضطرابات في القطاع التكنولوجي الحيوي، وتقلص سوق العمل بسبب الحرب. ومع عدم تمكن العديد من العمال الفلسطينيين من دخول إسرائيل، وتمديد الحكومة للخدمة العسكرية الإلزامية، يُتوقع أن تستمر مشكلة نقص العمالة، لا سيما في قطاعات مثل البناء.

بالاضافة إلى التأثيرات الاقتصادية، سلطت “موديز” الضوء على المخاوف المتعلقة بحوكمة الحكومة الاسرائيلية وقوة مؤسساتها. وذكرت الوكالة أن التوترات السياسية الداخلية، جنباً إلى جنب مع النزاع المستمر، قد زادت من الضغوط على قدرة إسرائيل على تنفيذ سياسات فاعلة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

عواقب التخفيض

تعتبر عواقب هذا التخفيض في التصنيف الائتماني خطيرة للغاية، بحيث من المتوقع أن تعوق النشاط الاقتصادي الاسرائيلي وتؤدي إلى تدهور حاد في مستويات المعيشة. من جهة، سيساهم تراجع ثقة المستثمرين، سواء المحليين أو الأجانب، في انخفاض حاد في الاستثمارات، وهو المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل. ومن جهة أخرى، سيؤدي ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى زيادة الأعباء المالية على الشركات والأفراد، ما سيحد من قدرتهم على الاستثمار والإنفاق، وبالتالي سيعوق دوران عجلة الاقتصاد.

وعلى المدى الطويل، فإن تدهور الثقة في الاقتصاد الاسرائيلي سيؤدي إلى هروب رؤوس الأموال وتراجع قيمة الشيكل، ما سيفاقم من حدة التضخم ويزيد من تفاقم الأزمة المعيشية. وعليه، إن هذه الديناميات المعقدة تشكل تهديداً جسيماً للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

بين الحرب والاقتصاد

في تقرير جديد، سلطت صحيفة “واشنطن بوست” الضوء على التحديات الكبيرة التي تواجه اقتصاد إسرائيل في ظل عدوان تل أبيب على لبنان وغزة، مشيرة إلى أن إسرائيل شهدت تخفيضاً في تصنيفها الائتماني وانكماشاً حاداً في الناتج المحلي الإجمالي. كما أغلقت عشرات الآلاف من الشركات، وأصبح الاستعانة بالعمالة الخارجية أكثر شيوعاً، في حين اضطر العديد من الجنود الاحتياطيين إلى وقف مسيرتهم المهنية أو مواجهة صعوبة في التوازن بين وظائفهم والتزاماتهم العسكرية.

كذلك واجهت صناعتا البناء والزراعة تحديات كبيرة. ووفقاً للمكتب المركزي للإحصاء، انخفضت السياحة بنسبة تزيد عن 75 في المائة، ما أدى إلى إغلاق العديد من المتاجر. من ناحية أخرى، تضاعف الإنفاق العسكري على الأقل، بحيث حذر المصرف المركزي من أن الحرب المستمرة قد تكلف 67 مليار دولار حتى العام 2025.

وبحسب الخبير الاقتصادي الاسرائيلي دان بن ديفيد، الذي يرأس مؤسسة “شوريش” للأبحاث الاجتماعية والاقتصادية، فإن الاقتصاد في خطر جاد ما لم تستيقظ الحكومة. وأضاف: “في الوقت الراهن، هم منفصلون تماماً عن أي شيء لا يتعلق بالحرب… ولا توجد نهاية في الأفق.”

وفي إشارته إلى الحرب باعتبارها “أم كل الحروب”، أعرب بن ديفيد عن إحباطه من المسؤولين في وزارة المالية، التي يرأسها حالياً الوزير بتسلئيل سموتريتش، بسبب ما يرون أنه تفضيل الحكومة لاسترضاء مؤيديها على حساب تعزيز الاقتصاد.

وفي هذا السياق، أشار باحث في مركز التنمية العالمية، إلى أن الاقتصاد الاسرائيلي عادةً ما يظهر مرونة خلال الحروب، لكن هذه الحرب تبدو وكأنها أم جميع الحروب، مؤكداً أن هذه الحالة مكلفة، وأن “الأموال يجب أن تأتي من مكان ما.”

شارك المقال