قلق متزايد من المخاطر الجيوسياسية… وصندوق النقد يحُذر

هدى علاء الدين

في ظل عالم مليء بالتحديات الاقتصادية والجيوسياسية، قدم تقرير صندوق النقد الدولي حول “الآفاق الاقتصادية العالمية” صورة معقدة تعكس التحديات التي يواجهها الاقتصاد العالمي. مع توقعات بنمو متباطئ وانخفاض ملحوظ في التضخم، أبرز التقرير كيفية تأثر الاقتصادات المختلفة بالتقلبات المحلية والدولية. كما سلط الضوء على أهمية التركيز على الدعم الاجتماعي للفئات الأكثر هشاشة، وتعزيز السياسات المالية اللازمة لمواجهة الأزمات.

فقد أعرب صندوق النقد الدولي عن قلقه المتزايد إزاء ارتفاع مستويات انعدام اليقين على الصعيد العالمي، نتيجة لتصاعد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية. وأوضح كبير خبراء الاقتصاد في الصندوق، بيار أوليفيه غورينشا، أن هذه التحديات تشمل مخاطر تصعيد النزاعات الاقليمية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط، ما قد يؤثر بصورة كبيرة على أسواق الطاقة. كما أشار إلى وجود تحول واضح في السياسات الصناعية والتدفقات التجارية، وهو ما يمكن أن يسهم في تقليل التوقعات الاقتصادية المستقبلية.

وتوقع الصندوق أن يتباطأ النمو العالمي من 3.3 في المئة في العام 2023 إلى 3.1 في المئة بحلول العام 2029. وتظل هذه التوقعات قريبة من الأرقام السابقة التي تم الكشف عنها في تقاريره في نيسان 2024 وتشرين الأول 2023، ما يعكس استمرار التحديات الهيكلية والاقتصادية التي تواجه العالم.

وتشير التقديرات إلى أن المخاطر المحيطة بالتوقعات العالمية تميل نحو الجانب السلبي، في ظل عدم اليقين المرتفع بشأن السياسات النقدية. وقد تؤدي التقلبات المفاجئة في الأسواق المالية إلى تشديد الظروف المالية، ما يثقل كاهل الاستثمار والنمو، خصوصاً في الاقتصادات النامية.

توقعات نمو متباينة

شهدت المؤشرات الاقتصادية الداخلية تغييرات ملحوظة، بحيث خفضت التوقعات للشرق الأوسط وآسيا الوسطى وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بسبب الاضطرابات في إنتاج السلع الأساسية وشحنها، وخصوصاً النفط، بالاضافة إلى النزاعات والصراعات المدنية والأحداث المناخية القاسية. في المقابل، تم رفع توقعات النمو في الولايات المتحدة، ما عوّض التوقعات السلبية للاقتصادات المتقدمة الأخرى، ولا سيما الدول الأوروبية الكبرى.

وتتمتع الاقتصادات الناشئة، وخصوصاً في آسيا، بترقية في توقعاتها، مدفوعةً بالزيادة في الطلب على أشباه الموصلات والالكترونيات نتيجة للاستثمارات الضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، تظل توقعات النمو العالمي بعد خمس سنوات عند مستوى متواضع يبلغ 3.1 في المئة، وهو أقل بكثير من المعدلات التي كانت سائدة قبل جائحة كوفيد-19.

وبالأرقام، من المتوقع أن يرتفع النمو في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى من 2.1 في المئة في العام 2023 إلى 3.9 في المئة في العام 2025، على الرغم من وجود توقعات سلبية بسبب تمديد تخفيضات إنتاج النفط وتأثير الصراعات.

أما في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فمن المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي من 3.6 في المئة في العام 2023 إلى 4.2 في المئة في العام 2025، مع تلاشي الآثار السلبية للصدمات المناخية السابقة.

وفي الولايات المتحدة، رفعت توقعات النمو لعام 2024 إلى 2.8 في المئة، نتيجة للأداء القوي في الاستهلاك والاستثمار. ومن المتوقع أن يتباطأ إلى 2.2 في المئة في العام 2025 مع تشديد السياسة المالية.

وفي منطقة اليورو، يُتوقع أن يرتفع النمو إلى 0.8 في المئة في العام 2024، و1.2 في المئة في العام 2025، مدعوماً بالطلب المحلي الأقوى.

التضخم العالمي

من المتوقع أن يشهد التضخم العالمي انخفاضاً ملحوظاً، ما سيساهم في تراجع إجمالي التضخم الذي تحقق في العام 2023، والذي كان مدفوعاً بصورة أساسية بانخفاض أسعار الوقود. وسينخفض التضخم الأساسي بمقدار 1.3 نقطة مئوية في العام 2024، بعد انخفاض طفيف قدره 0.1 نقطة مئوية في العام 2023، حيث تقود الاقتصادات المتقدمة هذا الاتجاه النزولي.

ووفقاً لصندوق النقد الدولي، تُسهم عدة عوامل في تراجع التضخم الأساسي، منها التأثير المتأخر للسياسات النقدية المشددة، بالاضافة إلى التأثيرات المتناقصة الناجمة عن الانخفاضات السابقة في الأسعار، خصوصاً في أسعار الطاقة.

وعموماً، يُتوقع أن يستمر انخفاض التضخم حتى العام 2025 في معظم الحالات. وعلى الرغم من أن وتيرة انخفاض التضخم في الاقتصاد الوسيط كانت أسرع مما كان متوقعاً في تشرين الأول 2023، إلا أن التفاوت بين الاقتصادات من المتوقع أن يكون أكبر.

وتشير المقارنات بين الأهداف الرسمية للتضخم وأحدث التوقعات لمجموعة من الاقتصادات المتقدمة والناشئة إلى أن متوسط التضخم السنوي سيتجاوز الأهداف في أكثر من ثلاثة أرباع هذه الاقتصادات بحلول العام 2025. ومن المتوقع أن يستمر التضخم في الانخفاض بصورة تدريجية، وبحلول نهاية العام 2025، سيكون معظم الاقتصادات إما عند الهدف أو قريباً منه.

الاضطرابات الجيوسياسية

قد تعوق الاضطرابات الاضافية في مسار انخفاض التضخم، الناتجة عن ارتفاعات جديدة في أسعار السلع بسبب التوترات الجيوسياسية، قدرة البنوك المركزية على تخفيف السياسات النقدية. كما أن انكماشاً أعمق أو أكثر استمرارية في قطاع العقارات في الصين قد يؤدي إلى تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي نظراً الى الدور الكبير للصين في التجارة الدولية.

ويمكن أن يؤدي تصعيد الصراعات الاقليمية، لا سيما مع اتساع نطاق النزاع في الشرق الأوسط أو استمرار الحرب في أوكرانيا، إلى مزيد من تعطيل حركة التجارة، ما يتسبب في ارتفاع مستدام لأسعار المواد الغذائية والطاقة والسلع الأخرى. وتُعتبر تقلبات أسعار السلع الأساسية عاملاً رئيسياً يسهم في زيادة التضخم، خصوصاً في البلدان التي تعتمد على استيراد هذه السلع، ما يحد من قدرة البنوك المركزية على اتخاذ إجراءات فاعلة.

علاوة على ذلك، فإن ارتفاع درجات الحرارة الشديد والجفاف المستمر في ظل درجات الحرارة القياسية العالمية قد يؤثران سلباً على المحاصيل الزراعية، ما يزيد من الضغوط على أسعار المواد الغذائية والأمن الغذائي. ومن المرجح أن تتأثر البلدان ذات الدخل المنخفض بصورة غير متناسبة، بحيث تشكل تكاليف الغذاء والطاقة جزءاً كبيراً من نفقات الأسر المعيشية في تلك الدول.

أهمية التعاون متعدد الأطراف

يقول صندوق النقد الدولي إن هناك حاجة ملحة الى تعديل السياسات المالية في العديد من الدول لضمان استدامة الدين العام وإعادة بناء المخزونات المالية. وتُعد الاصلاحات الهيكلية ضرورية لتعزيز آفاق النمو على المدى المتوسط، ولكن يجب الحفاظ على الدعم للطبقات الأكثر ضعفاً. كما يجب أن يُعزز التعاون متعدد الأطراف لتسريع التحول الأخضر ودعم جهود إعادة هيكلة الديون، مع التركيز على تقليل مخاطر التجزئة الجيوسياسية.

شارك المقال