لبنان بين رماد الحرب وأعباء القائمة الرمادية

هدى علاء الدين

في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة والمستمرة التي يعاني منها لبنان منذ عام 2019، جاء وضعه على “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي “فاتف” كضربة إضافية تؤدي إلى تفاقم التحديات التي يواجهها وتعقيد طريق التعافي. ويعكس هذا التصنيف صورة قاتمة عن الوضع المالي والاقتصادي في لبنان، فهو بمثابة تحذير للدول والمؤسسات العالمية من مخاطر التعامل المالي مع البلاد، ويضعه تحت مراقبة دقيقة في ما يتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وعلى الرغم من الجهود التي بذلها المسؤولون اللبنانيون، إلا أن الوتيرة البطيئة في الاصلاحات وعدم الاستقرار المستمر حال دون تجنب هذه العقوبة، ما يعزز من عزل لبنان عن النظام المالي العالمي ويثقل كاهل اقتصاده المتهالك.

وتأتي هذه الخطوة في وقت يعاني فيه لبنان من أزمات متداخلة على عدة جبهات، بحيث يتجاوز تأثير الانهيار الاقتصادي الأبعاد المالية ليشمل الأضرار الهائلة التي لحقت بالبنية التحتية نتيجة الحرب الاسرائيلية الشاملة التي لا تزال قائمة. ومع استمرار النزاع، تتزايد المخاوف من تفاقم الأوضاع المعيشية وازدياد تأثيرات الحرب على الاقتصاد الهش، الذي كان يعاني أصلاً من أزمة مالية عميقة.

وعلى الرغم من إدراج لبنان في “القائمة الرمادية”، أظهرت مجموعة العمل المالي أن البلاد حققت بعض التقدم في الاصلاحات المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مع تعهد السلطات اللبنانية، وخصوصاً البنك المركزي، بمواصلة هذه الجهود. وكان من المتوقع أن ينضم لبنان إلى هذه القائمة في أيار الماضي، لكن مساعي حاكم مصرف لبنان بالإنابة، وسيم منصوري، أدت إلى تأجيل القرار آنذاك عبر جهود ديبلوماسية مكثفة مع الأطراف الدولية، بحيث اعتبرت مجموعة العمل أن التأجيل كان بمثابة فرصة أخيرة للسلطات اللبنانية للالتزام بالاصلاحات المطلوبة.

وقالت مجموعة العمل إن لبنان تعهد رسمياً في تشرين الأول 2024، بالعمل معها ومع مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتعزيز فاعلية نظام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، على الرغم من التحديات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية الصعبة التي تواجه البلاد. وقد دفعت الحرب “فاتف” إلى منح لبنان مهلة حتى العام 2026 بدلاً من 2025 لمعالجة القضايا التي أدت إلى إدراجه في القائمة الرمادية، بما في ذلك المخاوف بشأن تمويل الإرهاب والافتقار إلى استقلال القضاء. ومنذ اعتماد خطة العمل الاقليمية في أيار 2023، أحرز لبنان تقدماً ملحوظاً في تنفيذ العديد من الاجراءات الموصى بها. وشملت هذه التدابير إصدار تعميم للمصارف والمؤسسات المالية لإنشاء إدارة مخصصة لمكافحة جرائم الرشوة والفساد، وإرشادات بشأن الأفراد المعرضين للفساد السياسي، بالاضافة إلى اتخاذ تدابير ضد الأنشطة المالية غير المرخصة.

وأضافت: “سيسعى لبنان إلى مواصلة التعاون مع مجموعة العمل المالي لتنفيذ خطة عمل “فاتف” من خلال:

– إجراء تقييمات دقيقة لمخاطر تمويل الإرهاب وغسل الأموال المحددة في خطة العمل الاقليمية، وضمان وجود سياسات وتدابير فعالة للتقليل من هذه المخاطر؛

– تعزيز الآليات لضمان التنفيذ الفعّال لطلبات المساعدة القانونية المتبادلة، والتسليم، واسترداد الأصول؛

– تحسين فهم مقدمي الخدمات المالية غير المصرفية للمخاطر، وتطبيق عقوبات فعّالة ورادعة على انتهاكات التزامات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب؛

– ضمان تحديث معلومات الملكية الفعلية وتوفير عقوبات كافية للتخفيف من المخاطر بالنسبة الى الأشخاص الاعتباريين؛

– تعزيز استخدام السلطات المختصة لمنتجات وحدة الاستخبارات المالية (FIU) والاستخبارات المالية؛

– تحقيق زيادة مستدامة في التحقيقات والملاحقات القضائية والأحكام المرتبطة بغسل الأموال بما يتماشى مع المخاطر؛

– تحسين النهج المتبع في استرداد الأصول، وتحديد وحجز تحركات العملات والمعادن الثمينة والأحجار الكريمة عبر الحدود غير المشروعة؛

– متابعة تحقيقات تمويل الإرهاب وتبادل المعلومات مع الشركاء الأجانب كما هو مطلوب في خطة العمل الاقليمية؛

– تعزيز تنفيذ العقوبات المالية المحددة من دون تأخير، خصوصاً بالنسبة الى مقدمي الخدمات المالية غير المصرفية ومؤسسات مالية غير مصرفية معينة؛

– إجراء مراقبة مستهدفة وقائمة على المخاطر للمؤسسات غير الربحية عالية المخاطر، مع ضمان عدم تعطيل أنشطة المؤسسات غير الربحية المشروعة.

وقبل يوم من قرار “فاتف”، برزت دعوات من صندوق النقد الدولي، ممثلاً بمدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، جهاد أزعور، لدعم لبنان. وناشد المجتمع الدولي تقديم “هبات” وتوفير دعم اقتصادي وإنساني، مشيراً إلى الحاجة الملحة لحماية الأرواح وإنقاذ سبل عيش المواطنين الذين فقدوا كل شيء. كما شدد على ضرورة إنهاء النزاع المسلح في لبنان وقطاع غزة لتقليل المعاناة الانسانية الهائلة في كلا البلدين.

وفي هذا السياق، تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الاقتصاد اللبناني قد يفقد نحو 9.2 في المئة من ناتجه المحلي الإجمالي. ولم تصدر توقعات صندوق النقد الدولي عن النمو الاقتصادي في لبنان للعامين 2024 و2025، نظراً الى عدم وضوح الرؤية حول الوضع المتغير. وأوضح أزعور أن صعوبة توقع مسار الاقتصاد اللبناني ترجع إلى “الدمار الكبير في البنية التحتية، والأضرار الفادحة التي لحقت بالمنطقة الزراعية، خصوصاً في جنوب لبنان، فضلاً عن خسائر الأرواح وتدمير وسائل الإنتاج، ما أدى إلى تعطّل النشاط الاقتصادي”.

بين رماد الحرب التي تتجاوز خسائرها مليارات الدولارات وأثقال القائمة الرمادية، تتعاظم التحديات التي تواجه لبنان وتزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي والأمني بصورة أكبر. وفي حين يدرك لبنان أن الخروج من أزماته الاقتصادية والسياسية الحالية يتطلب إصلاحات شاملة على مستويات متعددة، إلى جانب دعم دولي فعّال يمكّنه من تجاوز محنته، إلا أن جهوده الاصلاحية المبذولة لم ترتقِ بعد إلى المستوى الذي يتناسب مع حجم الأزمة.

شارك المقال