حرب ونزوح… مستقبل قاتم ينتظر المستهلك اللبناني حتى 2025

هدى علاء الدين

في ظل واقع اقتصادي يزداد تعقيداً وصعوبة، يستعد المستهلك اللبناني لمواجهة عام آخر من التحديات الحادة التي ترسم ملامح مستقبل قاتم للأسر اللبنانية في العام 2025. ومع تفاقم التأثيرات السلبية للأزمة الاقتصادية المستمرة، إلى جانب الصراعات العسكرية والتحديات الأمنية المتصاعدة بفعل الحرب الدائرة، تجد الأسر نفسها محاصرة بين جبهات متشابكة من الأزمات. ومع ارتفاع معدلات البطالة وتآكل القدرة الشرائية، يصبح الحفاظ على مستويات المعيشة التي اعتادتها هذه الأسر أمراً شبه مستحيل، في واقع يتسم بتزايد الأعباء وانعدام الاستقرار.

وفي هذا السياق المتأزم، أصدرت “فيتش سوليوشنز” تقريراً جديداً حول سوق الاستهلاك والتجزئة في لبنان، أشارت فيه إلى آفاق قاتمة للمستهلك اللبناني حتى العام 2025، حيث تواصل الأزمات الحالية إعادة ترتيب أولويات الميزانيات المنزلية. ومن المتوقع أن يؤثر هذا الواقع بصورة سلبية على الإنفاق الاستهلاكي، نتيجة لمعدلات التضخم المرتفعة، وتقلبات العملة، والانكماش الاقتصادي الواسع في القطاعات الأساسية.

تأثير الصراع على الإنفاق الاستهلاكي

تشير التوقعات إلى أن الإنفاق الاستهلاكي في لبنان سيظل متأثراً بشدة بتداعيات الحرب، بالاضافة إلى التوترات الأوسع في المنطقة. ووفقاً لتقرير “فيتش سوليوشنز”، يُتوقع أن يصل إجمالي الانفاق الاستهلاكي الحقيقي، المقاس بأسعار عام 2010، إلى 40.6 تريليون ليرة لبنانية فقط في العام 2025، أي بتراجع بنسبة نحو 30 في المئة مقارنة بمستوياته في العام 2019، قبل بداية الأزمة الاقتصادية الكبرى وتأثيرات جائحة كوفيد-19. ويُعد هذا التراجع مؤشراً بالغ الأهمية على الحالة الحرجة للمستهلك اللبناني على مدار العام، على الرغم من تسجيل نمو حقيقي في الإنفاق بنسبة 1.9 في المئة على أساس سنوي في 2025. وتشير هذه التوقعات إلى تقليص نسبة نمو الانفاق الاستهلاكي التي كانت متوقعة في وقت سابق والبالغة 2.8 في المئة على أساس سنوي، وذلك بسبب تصاعد الصراع في أيلول 2024.

النازحون وتأثيرهم على الاستهلاك

قسمت “فيتش سوليوشنز” سوق المستهلك اللبناني إلى فئتين رئيسيتين: الأولى تشمل الأشخاص الذين تم تهجيرهم بسبب الحرب (حوالي 1.2 مليون شخص، أو 22 في المئة من إجمالي السكان)، بينما تشمل الثانية السكان غير المهجرين. ويُتوقع أن يستمر عدد النازحين في الزيادة مع تصاعد وتيرة الهجمات في الفترة المقبلة، بحيث يشير بعض التقارير الوزارية إلى أن عدد النازحين قد يرتفع بنحو 500 ألف شخص في الأيام المقبلة.

وفي ما يتعلق بالانفاق الاستهلاكي للمواطنين النازحين، يُتوقع أن يرتفع بصورة ملحوظة على السلع الأساسية مثل الغذاء والمشروبات والإسكان والخدمات الأساسية. وعلى الرغم من أن مستويات الدخل المتاح لهذه الأسر ستظل تحت ضغط هائل، فإن الأسر ستلجأ إلى تعويض الفجوة باستخدام مدخراتها الحالية، بالاضافة إلى التحويلات المالية التي ستساهم في تخفيف حدة فقدان الدخل. أما بالنسبة الى السكان غير النازحين، فمن المتوقع أن يشهد الانفاق غير الضروري تراجعاً كبيراً، بحيث سيتوجه الانفاق بصورة أكبر نحو زيادة الأساسيات من الطعام والشراب والأدوية وتخزينها. كما ستسعى هذه الأسر إلى تعزيز مدخراتها استعداداً لمواجهة أوقات الأزمات.

النمو الاقتصادي والتوقعات المستقبلية

يتماشى تقرير “فيتش سوليوشنز” مع توقعات مجموعة من الخبراء والمحللين المسؤولين عن تقييم المخاطر الذين يتوقعون أن ينمو الاقتصاد اللبناني بنسبة 4 في المئة على أساس سنوي في العام 2025، وذلك بسبب تأثيرات القاعدة المنخفضة بعد انكماش حاد بنسبة 18 في المئة في العام 2024 نتيجة لتصاعد الاشتباكات بين “حزب الله” وإسرائيل، وهو الصراع الذي يُتوقع أن يستمر حتى العام 2025. ويعكس هذا التعديل في التوقعات الأضرار الكبيرة التي طالت البنية التحتية، بالاضافة إلى التشريد الواسع للسكان وتعطيل النشاط الاقتصادي في مناطق مثل جنوب لبنان والبقاع، التي تمثل ثلث السكان والقوى العاملة.

ومن المتوقع أن تؤثر تداعيات الحرب على مختلف القطاعات الاقتصادية، بما في ذلك السياحة والزراعة والرعاية الصحية، حيث سترتفع الضغوط التضخمية. وعلى الرغم من أن التحويلات المالية والمساعدات الدولية قد توفر بعض الدعم الاقتصادي، إلا أن مخاطر التصعيد العسكري تبقى مرتفعة، ما قد يؤدي إلى مزيد من الخسائر الاقتصادية. ووفقاً لتوقعات “فيتش سوليوشنز”، فإن مستويات الدخل ومستوى المعيشة في لبنان ستظل منخفضة جداً مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة (2019) طوال معظم العقد، ما سيؤدي إلى هجرة واسعة النطاق. من جهة أخرى، يستمر التضخم المكون من رقمين في تحميل الأسر عبئاً ثقيلاً، على الرغم من تراجع معدلاته.

التضخم وتحديات الأسعار

تعتمد توقعات التضخم في لبنان بصورة كبيرة على الضغوط الناجمة عن أسعار الإسكان والمرافق العامة، بالاضافة إلى أسعار الغذاء والمشروبات في الأشهر المقبلة. ففي كانون الثاني 2024، ارتفع معدل التضخم في أسعار الأغذية والمشروبات غير الكحولية بنسبة 181 في المئة على أساس سنوي، إلا أنه انخفض بصورة ملحوظة إلى 24.57 في المئة في تموز 2024. كما شهدت أسعار الايجار زيادة كبيرة، فسجلت نمواً بنسبة 228.4 في المئة في كانون الثاني 2024، لتتراجع لاحقاً إلى 20.2 في المئة بحلول منتصف العام. وعلى الرغم من هذا التراجع، يُتوقع أن تؤدي الاضطرابات الاقتصادية إلى خسائر مباشرة في الوظائف والدخل لأكثر من 30 في المئة من القوى العاملة، باستثناء أولئك الذين يعيشون في المناطق الأقل تأثراً بالحرب أو في القطاعات غير المتأثرة بصورة مباشرة بها.

زيادة الطلب على السلع الأساسية وأثر النزوح

في الوقت ذاته، يُتوقع أن يؤدي النزوح إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات الأساسية، ما سينتج عنه ارتفاع حاد في أسعار الايجار والسلع الأساسية في المناطق التي لجأ إليها النازحون. وستضطر الأسر في هذه المناطق إلى استنفاد مدخراتها لتلبية احتياجاتها الجديدة، ما سيزيد من الضغوط المالية. ومع ذلك، فإن تدفقات التحويلات المالية من المغتربين، والمساعدات الدولية، والتدابير التي اتخذها مصرف لبنان لزيادة حدود السحب بالدولار من المتوقع أن توفر بعض الدعم للأسر، ما قد يخفف جزئياً من خسائر الدخل، ويسهم في استقرار معدل الصرف في السوق.

استمرار ضغوط الاستهلاك

يُظهر تقرير “فيتش سوليوشنز” أن الاستهلاك في لبنان سيظل تحت ضغط هائل خلال السنوات المقبلة، نتيجة للأزمات السياسية والاقتصادية المستمرة، بما في ذلك التصعيد العسكري بين “حزب الله” وإسرائيل والنزوح الكبير للسكان. وعلى الرغم من بعض التحسينات المتوقعة في النمو الاقتصادي على المدى القصير، فإن استمرارية الضغوط التضخمية وتفاقم الأوضاع الأمنية قد يستمران في تحدي قدرة الأسر اللبنانية على التكيف مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة في العام 2025 وما بعده.

شارك المقال